الاقتصاد الفضي في الفضاء الاقتصادي العربي (3-6)

 

 

 

 

عبيدلي العبيدلي **

مسار النشأة

يتبين من هذا المسار أن مفهوم الاقتصاد الفضي انتقل من مصطلح تسويقي في اليابان، إلى إطار حقوقي وتنموي في وثائق الأمم المتحدة، إلى استراتيجية نمو في أوروبا، وأخيرًا إلى سياسة صناعية وطنية في الصين. أما في العالم العربي، فما يزال المفهوم في طوره الأول أو الثاني في أغلب الدول، دون أن يرقى بعد إلى مستوى الاستراتيجية الاقتصادية المتكاملة.

الظواهر التي ولّدها الاقتصاد الفضي

أفرز الاقتصاد الفضي ظواهر اقتصادية واجتماعية جديدة، بعضها أسواق قائمة بذاتها، وبعضها أنماط عمل واستهلاك وتنظيم عمراني مستحدثة، وأبرزها ثمانٍ.

1. الأسواق الفضية

هي أوضح تجليات الاقتصاد الفضي، وتعني مجموع السلع والخدمات المصممة لكبار السن أو المكيفة لتلائم احتياجاتهم. وقد تحولت من سوق متخصصة ضيقة إلى سوق جماهيرية تشمل الغذاء الوظيفي والأجهزة المنزلية سهلة الاستعمال والسيارات المزودة بأنظمة مساعدة القيادة. والمستهلك المسن أكثر ولاءً للعلامة التجارية، وأكثر اهتمامًا بالجودة والخدمة منه بالسعر، وأقل تقبلًا للتسويق الذي يذكّره بعجزه.

2. اقتصاد الرعاية طويلة الأمد

ولّدت زيادة أعداد المعمرين وانتشار الأمراض المزمنة قطاعًا ضخمًا يشمل دور الرعاية، والرعاية المنزلية والنهارية والتلطيفية، وتدريب مقدمي الرعاية. وهو من أكثر القطاعات كثافة في العمالة، مما يجعله مولدًا مهمًا للوظائف.

3. تقنيات الشيخوخة (AgeTech)

نشأ قطاع تقني متخصص يطور حلولًا لكبار السن، من أجهزة الرصد الصحي عن بعد، وأنظمة الإنذار عند السقوط، والمنازل الذكية، إلى الروبوتات المساعدة في الرعاية والتطبيقات المبسطة.

4. التمويل الفضي

ظهرت منتجات مالية مرتبطة بطول العمر، مثل الدخل التقاعدي مدى الحياة، وتأمين الرعاية طويلة الأمد، والرهن العقاري العكسي الذي يتيح للمسن تحويل قيمة مسكنه إلى دخل دون مغادرته. وهنا يبرز مجال خصب للصيرفة الإسلامية لتطوير بدائل متوافقة مع الشريعة، كصيغ الإجارة المنتهية والوقف الذري والتكافل الصحي.

5. المدن والمساكن الصديقة لكبار السن

أطلقت منظمة الصحة العالمية عام 2007 دليلها العالمي للمدن الصديقة لكبار السن، ثم أسست عام 2010 شبكة عالمية تضم اليوم مئات المدن. وأفرز ذلك سوقًا للإسكان الفضي تشمل مجمعات التقاعد، والسكن المشترك بين الأجيال، وتكييف المنازل والأماكن العامة ووسائل النقل.

6. سوق العمل الفضية وريادة الأعمال الفضية

من أبرز الظواهر بقاء كبار السن في سوق العمل بعد سن التقاعد التقليدية. ففي اليابان توفر "مراكز الموارد البشرية الفضية" للمتقاعدين أعمالًا مؤقتة وجزئية في مجتمعاتهم المحلية. كما برزت "ريادة الأعمال الفضية"، مستندة إلى ما يملكه كبار السن من خبرة وشبكات مهنية ورأس مال.

7. السياحة الفضية والتعليم مدى الحياة

يمثل كبار السن شريحة رئيسة في السياحة، لقدرتهم على السفر خارج المواسم، وتتفرع عنها السياحة العلاجية والاستشفائية وسياحة الإقامة الطويلة. ونشأت "جامعات العمر الثالث" منذ السبعينيات، وتطورت إلى سوق للتعليم المستمر وإعادة التأهيل المهني.

8. المجمعات الصناعية الفضية

هي أحدث الظواهر، وتتمثل في تجميع الشركات والمؤسسات العاملة في الاقتصاد الفضي في مناطق محددة للاستفادة من وفورات التكتل، كما نصت عليه الوثيقة الصينية.

أهم الحالات الدولية والإسلامية الناجحة

بلدان النجاح

  1. اليابان: النموذج الرائد في التكيف. تعد اليابان أكثر دول العالم شيخوخة، إذ بلغ عدد من تجاوزوا الخامسة والستين نحو 36.25 مليون نسمة في سبتمبر 2024، أي 29.3% من السكان. وقد واجهت هذا الواقع بنظام التأمين على الرعاية طويلة الأمد منذ عام 2000، ومراكز الموارد البشرية الفضية في البلديات، وتعديل قانوني عام 2021 ألزم الشركات ببذل الجهد لتأمين فرص العمل حتى سن السبعين. وأنتج ذلك صناعة وطنية متقدمة في منتجات الرعاية والروبوتات المساعدة صارت من صادرات اليابان.
  2. كوريا الجنوبية: الصناعة الصديقة لكبار السن. أصدرت كوريا عام 2006 "قانون تعزيز الصناعات الصديقة لكبار السن" لدعم الشركات المنتجة للسلع والخدمات الموجهة إليهم. وهي تشيخ بأسرع وتيرة في العالم؛ ففي ديسمبر 2024 تجاوزت نسبة من بلغوا الخامسة والستين 20% من السكان، فدخلت مرحلة "المجتمع فائق الشيخوخة".
  3. سنغافورة: التخطيط الاستباقي الشامل. أطلقت عام 2016 "خطة العمل من أجل شيخوخة ناجحة" بمخصصات بلغت 3 مليارات دولار سنغافوري، ثم حدّثتها عام 2023 لتغطي أكثر من 70 مبادرة. ورفعت سن التقاعد وسن إعادة التوظيف إلى 64 و69 عامًا على التوالي في يوليو 2026، ويقوم نموذجها على الادخار الإلزامي مع دخل تقاعدي مدى الحياة.
  4. الصين: السياسة الصناعية الفضية. حشدت الصين بوثيقتها الوطنية الصادرة في يناير 2024 الشركات الحكومية والخاصة والبنوك والحكومات المحلية لتطوير الاقتصاد الفضي، مستهدفة رفع حجمه من 7 تريليونات يوان إلى 30 تريليونًا بحلول 2035.
  5. ماليزيا: النموذج الإسلامي المعاصر. جمعت ماليزيا بين التخطيط الاجتماعي والتمويل الإسلامي. فقد أطلق صندوق ادخار الموظفين (EPF) عام 2017 حساب "سمبانن شريعة" الذي يتيح إدارة المدخرات التقاعدية وفق أحكام الشريعة الإسلامية، واختاره ملايين المشتركين. كما تبنت منذ عام 2011 "السياسة الوطنية لكبار السن".
  6. التجربة الحضارية الإسلامية. روى أبو يوسف في "الخراج" أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى شيخًا كبيرًا من أهل الذمة يسأل الناس، فقال: "ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم"، وأمر له بما يصلحه من بيت المال، وأسقط الجزية عنه وعن أمثاله. ويمثل ذلك تأسيسًا مبكرًا لمبدأ الضمان الاجتماعي الشامل لكبار السن بصرف النظر عن الدين، تطور عبر مؤسسة الوقف التي رعت العجزة والمكفوفين والأرامل وموَّلت البيمارستانات (المستشفيات).

خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z