د. عبدالله الأشعل **
المنهج الصيني يختلف تمامًا عن المنهج الغربي وصورة إفريقيا مصداق لذلك، وقد حصر الغرب وجوده في إفريقيا لصالح الصين وتركيا وإيران بعد أن احتلت فرنسا نصف إفريقيا واحتلت إنجلترا النصف الثاني وأمريكا من ورائهما. وقد خدمت في البعثات المصرية الدبلوماسية مرتين ورأيت بنفسي كيف أن مصر أيام الرئيس جمال عبد الناصر توسعت في إفريقيا مساندة لحركات التحرر الوطني.
بينما الصين لم تكن دولة استعمارية وإنما كانت ضحية للاستعمار الغربي ولذلك تعلمت الصين من مبادئ ثورتها التي قام بها ماوتسي تونج عام 1949. أما الغرب فإنه تعامل مع إفريقيا بنفس استعماري يتسم بالاستعلاء والتبعية والاستغلال.
وكانت جنوب إفريقيا الجديدة سندا لإفريقيا بعد أن تخلت مصر عن دورها وليس هناك منافسة بين مصر وجنوب إفريقيا. يكفي أن جنوب إفريقيا رفعت الدعوى أمام محكمة العدل الدولية في 2021 واتهمت إسرائيل بالإبادة الجماعية في غزة وسعت مصر إلى مساندة جنوب إفريقيا والانضمام لها في القضية عام 2025.
لكن لماذا نجحت الصين في إفريقيا بينما انحسر الوجود الغربي؟
نذكر أن من مصلحة مصر السير مع الصين لا مع الغرب في إفريقيا وأن توثيق العلاقات مع الصين أولى من اليابان وكذلك توثيق العلاقات في إفريقيا مع إيران وتركيا وروسيا فتلك الدول تشبه مصر ولها مصالح متماثلة مع المصالح المصرية.
نجحت الصين وفشل الغرب في إفريقيا للأسباب الآتية:
أولًا: أن الغرب يريد استغلال إفريقيا واستعبادها كما كان في السابق والغرب يقترب من إفريقيا عن طريق المنهج السياسي ويريد تطبيق شعاراته عليها وهي شعارات جوفاء مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان ولذلك فشل الغرب في التنافس مع الصين لهذا السبب.
ثانيًا: أن طريقة الصين ليست سياسية ولا يهمها نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان لأن الغرب يهاجمها بهذه النقاط وليس معنى ذلك أن الصين تشجع الدكتاتورية ولا تحترم حقوق الإنسان، ولكن الصين تركز على التنمية وتبادل المصالح الاقتصادية بعيدًا عن السياسة تمامًا، وهذا ما تريده الدول الإفريقية ولذلك تنوعت مجالات التعاون بين الصين وإفريقيا وكلها مجالات تنموية ولهذا السبب استفاد الاقتصاد الصيني من هذا المنهج ونافس الاقتصاد الأمريكي والغربي.
ولذلك فإن الصين تزحف إلى العالمية من خلال الاقتصاد، بينما الغرب يتمسك بالوضع القائم بالمنهج السياسي وهذا السبب في انفضاض المتعاملين مع الغرب، خاصة وأن الغرب كما رأينا في تجربة غزة يرفع الشعارات الفارغة.
الغرب يشجع الديكتاتورية في دول العالم الثالث ويرفع شعار الديمقراطية ولو تحولت دول العالم الثالث إلى الديمقراطية لما حقق الغرب مصالحه في هذه الدول، وكذلك شعار حقوق الإنسان وقد رأى العالم أن الغرب يكيل الأمور بمكاييل متعددة وفقًا لمصالحه والمقارنة بين أوكرانيا وغزة خير الدليل على ذلك.
ثالثًا: أن الغرب يحارب الإسلام في إفريقيا كما أن الغرب يخترع الجماعات الإرهابية من المسلمين لكي يطلق مصطلح الإرهاب الإسلامي ومنذ وقت طويل والغرب يطارد الإسلام والمسلمين حتى أطلق على هذه الظاهرة الإسلاموفوبيا.
وقد نشر الرئيس نكسون كتابا عام 1988 عنوانه "نصر بلا حرب"، لكي يؤكد أن الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بحاجة إلى عدو جديد يحاربه وهو الإسلام.
وجدير بالذكر أن وزير الحرب الأمريكي وتصريحات الرئيس دونالد ترامب أكدت أن الصراع مع إيران صراع ديني وعلى حد عبارات وزير الحرب الأمريكي أن صمود إيران سببه الإسلام ولذلك مهمة أمريكا ليس هزيمة إيران وإنما تدميرها حتى يمكن اقتلاع الإسلام من صدور الإيرانيين، خاصة وأن المقاومة في جميع الساحات التي تدعمها إيران تصادف أنها إسلامية حزب الله شيعي وحزب الله العراقي شيعي أيضًا والحوثيون مسلمون قريبون من الشيعة، أما حماس فهي سُنة تنتمى لفكر الإخوان المسلمين، ولكن في إطار فلسطيني.
والمقاومة في فلسطين تعتبر خط الدفاع الأول عن مصر في إطار الأمن القومي المصري الذي لم يتغير عبر القرون فأمجاد الجيش المصري ضد التتار والمواجهة معهم كانت في جنين في الضفة الغربية في القرن الثالث عشر بعد سقوط بغداد في يد التتار تحديدًا عام 1258؛ فظن التتار أنَّ العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة في بغداد خلا من المقاومة، ولكن فوجئ بأنَّ مصر قلعة الإسلام والمسلمين وتصدى لهم الجيش المصري وأنهى وجود التتار.
ولذلك فإنَّ إفريقيا المتمسكة بالإسلام بعيدًا عن الإرهاب الأوروبي ارتبط عندها محاربة الإسلام بالاستعمار.
والغرب يركز على القواعد العسكرية في إفريقيا ولذلك فإنَّ الغرب لديه قواعد عسكرية كثيرة مقابل قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي فقط ولذلك فإن الصين قوة عسكرية واقتصادية يدركها الغرب وخاصة أمريكا.
ومؤتمر العرب والصين الذي يعقد حاليًا في القاهرة هو خير تحية للقاهرة التي فتحت للصين أبواب إفريقيا عام 1955؛ ولذلك فإن مصر لا بُد أن تتعاون مع الصين لا مع اليابان في إفريقيا، خاصة وأن مصر كانت ضحية للاستعمار الغربي مثل الصين.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
