صورة عُمان.. سلطانها وشعبها في «وشاح السلام» للشاعر أبو هاشم الطائي

 

 

 

ناصر أبوعون

هذه القصيدة بصرف النظر عن اعتمادها على الخط الكلاسيكي في بنيتها، ومحاولة الشاعر أبو هاشم الطائيّ اقتفاء خُطى الخليل الفراهيدي وزنًا وقافية؛ إلا أنه ارتكز في بناء أسلوبها على اشتقاق صورها الشعرية من رحم منظومة القيم الوطنية والمبادئ العامة للسياسة الخارجية العُمانيّة؛ فاشتبكت البُنى الإيقاعيّة والمُعجميّة مع جماليات الصور الشعريّة، وصارت نسيجًا واحدًا لخطاب شعريّ يقابل بين صورتين: سلطنة عُمان واحة السلام وعالَمٍ مضطرب تستعر فيه نيران الصراعات المسلحة بين قوى عالمية وإقليميّة؛ فسلطنة عمان في القصيدة (واحة سلام)، و(زهرة) فوّاحة بالأمن والأمان، وصار (الصبر) سلاح سلطانها، في محيط جغرافيّ يموج بالخلافات تحوّل في النصّ الشعريّ إلى (براكين ورياح).

ومن وجهة نظر رؤية أسلوبية تقوم على مجموعة من الثنائيات الدلالية ومن أبرزها: (عُمان× البلدان الأخرى- الأمن× الخوف- السلام× الصراع، الحكمة×الاضطراب - الصبر×العنف - الوطن×الأعداء)، وتنتقل القصيدة في المطلع من (ذات شاعرة جريحة) إلى (وطنٍ آمن) و(سلطانٍ حكيم)، وتنتهي بـ(حمد الله) و(الصلاة والسلام على رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلّم-)؛ حيث أخذ المسار الدلاليّ خطًّا طوليًّا؛ بدأ بتجربة فرديّة خاصة بالشاعر، ثم انتقل إلى تجربة وطنية عامة، ثم اختتم تحرّكه بأفق روحيّ. ومن ثَمَّ يمكننا القول: إنّ (السلام) في القصيدة لم يكن موضوعًا فرعيًّا أو جزئيًّا، بل كان محور الارتكاز، ودارت في فلكه سائر البُنى المقصديّة، والإيقاعيّة، والمُعجميّة والصور الشعريّة.

خمسة حقول مُعجميّة

وبالتحليل الأسلوبي للقصيدة اتضح أنّ بنية المعجم اللغويّ تنطوي على خمسة حقول دلالية رئيسة يستطيع القارئ من خلالها استكشاف خصائص أسلوب الشاعر علي بن حمد بن عيسى الطائي (أبو هاشم الطائيّ)، وكان من أهمها: أنّ اختيار الشاعر للمفردات كان مرتبطًا بموضوع القصيدة، ويُنبئ عن رؤيته، وموقفه من الأحداث السياسية على الساحة الإقليمية؛ من خلال الحقول الآتية: [أ- الحقل الوطنيّ]، وفي هذا الحقل حوّل الشاعر أبو هاشم الطائي وطنه عُمان من مساحة جغرافيّة إلى قيمة أخلاقية ووجدانية، ومن ألفاظ هذا الحقل: "زهرة البلدان، سبيل عمان، الأوطان، البلدان"، ثم [ب- حقل السَّلام]، وهو الحقل المركزيّ في القصيدة، ومن أهم ألفاظه: "السلام- الأمن - سماح – حكمة – الصبر – وشاح"، وجاءت كلمة (وشاح) لتتصدَّر عنوان القصيدة، كعُروة وثقى جامعة لأواصر السلام، وشاحٌ تتباهى عُمان به ويزين صدرها، ثم [ج- حقل الصراع] وفي هذا الحقل رأينا الشاعر يصوّر من خلاله وطنه عُمان بلدًا (آمنًا) في مقابل عام يموج بالاضطرابات، مع إبرازه لقيمة السلام من خلال وضعها مقابل نقيضها، ومن مفرداته: "الجراح – خوف – أتراح – براكين – رياح – الأعداء"، ثم [د- حقل القيادة الحكيمة]، ومن خلال هذا الحقل وضّح الشاعر ملامح الصورة الذهنية الراسخة في قلوب المواطنين للسلطان هيثم بن طارق – أبقاه الله – مقرونة بصورته في عيون العالم؛ ليؤكد الشاعر للقراء من خلال ألفاظ" سلطان – حِلْم – إصلاح – حكمة – الصبر" على فكرة رئيسة، وهي أنّ القيادة الحقيقية لا تبنيها القوة الخشنة والغاشمة، بل تنبع من أربعة مبادئ قامت عليها مؤسسة الحكم في سلطنة عُمان منذ بدايات عصر النهضة المباركة، وصولًا إلى عصر النهضة المتجددة، وهي: الحلم، والصبر، والحكمة، والإصلاح. ثم [هـ- الحقل الروحي والدينيّ]، وهذا الحقل أدّى وظيفة الاختتام والتتويج، ومن خلاله أغلق الشاعر قصيدته بحمد الله والصلاة على رسوله بعد أن بدأها بالحديث عن الوطن والسلطان، ومن ألفاظه: "الله – الحمد – الصلاة – الرسول – كل ليل وصباح".

ستة أساليب تعبيريّة

وعندما حاولنا الكشف عن أهم الأساليب التعبيريّة، التي وظّفها الشاعر أبو هاشم الطائيّ في قصيدته (وشاح السلام) استطعنا رصد ستة أساليب؛ وهي: (الشِّعريّ، والسَّردِيّ، والوصفيّ والحِواريّ، والمونولوج والتنضيد)؛ فأمّا [الأسلوب الشعريّ]، وهو الغالب في المساحة الأكبر من القصيدة، وظهر في توظيف الشاعر للإيقاع والقافية، والصور البلاغية، والتكرار، والنداء، والمجاز، والموسيقى بنوعيها الخارجي والداخليّ؛ فضلًا عن طغيان مؤثّر للغنائيّة، فإذا ما تأمّلنا في قول الشاعر: "يَا زَهْرَةَ البُلْدَانِ سَلَامًا لِنَفْحِكِ الفَوَّاحِ" سنجد الشاعر من خلاله  يعبّر عن انفعاله وجدانيًّا  بوطنه عُمان، أمّا [الأسلوب السرديّ]، فهو محدودٌ داخل بنية القصيدة، ويبرز كبقعة ضوء كاشفة ووامضة  عند انتقال الشاعر من (الذات إلى السلطان)؛ في قوله: "رَأَى الأَرْضَ تَمُورُ بِبَرَاكِينٍ وَرِيَاحِ"، ثم في قوله: "جَعَلَ الصَّبْرَ سِلَاحًا" ومن خلاله تتشكل حركة سردية مختصرة، يمكن اختصارها في هذه المعادلة: "رؤية واقع مضطرب، ثم اتخاذ موقف، ثم اعتماد الصبر، ثم الوصول إلى السلام. أمّا [الأسلوب الوصفيّ]، فكان الأكثر بروزًا بين الأساليب التعبيريّة، وهو وصفٌ تقويميّ وجدانيّ، ومن نماذجه؛ قول الشاعر: "يَا زَهْرَةَ البُلْدَانِ"، و"يَا وَاحَةَ الأَمْنِ"، وقوله: "فَخَرَجْنَا وَالسَّلَامُ لَنَا خَيْرُ وِشَاحِ"؛ فالشاعر هنا بوجه عام يصف للقراء والمستمعين (عُمان، والبلدان الأخرى، والسلطان، والواقع العالمي، والسلام). أمّا [الأسلوب الحواريّ] فلا وجود له البتةَ في القصيدة؛ وذلك لعدم وجود شخصيات متعددة داخل نسق القصيدة، وإنما ما نشاهده مجرد خطاب شعريّ مباشر يمنح الوطن حضورًا شبه إنساني في قول الشاعر: " يَا زَهْرَةَ البُلْدَانِ". أمّا [أسلوب المونولوج]، فوجوده جزئيُّ ظهر من خلال حديث الشاعر أبوهاشم الطائي عن ذاته في قوله: " دَمِيتُ مِنَ الجِرَاحِ"، و" آنَ لِي بِقَلَمٍ يَشْدُو"، كما لُوحظ أيضًا في مطلع القصيدة وضوح صوت الذات، الذي اتسعت مساحته تدريجيًّا، وتتحوّل في النهاية إلى كورس وطنيّ جماعيّ، في قول الشاعر: " فَرُزِقْنَا" "فَخَرَجْنَا"، وفي التحوّل أيضًا من الضمير "أنا" الفرديّ إلى الضمير "نا" الجماعيّ، مما أسهم في الانتقال بالتجربة الشعرية من الفردية إلى الجماعية. أمّا [أسلوب التنضيد الدلاليّ] وظهر من خلال ترتيب الشاعر للمفردات في سلاسل متقابلة كوَّنت بِنية ثُنائية كبرى؛ فطالعنا مفردات "الجراح، الخوف، الأتراح، البراكين، الرياح" في مقابلة مفردات "الحكمة، السماح، الحلم، الإصلاح، الصبر، السلام".

ست صور بلاغيّة أساسية

وبالتدقيق الإحصائي أمكننا رصد ست صور بلاغية تدور جميعها حول محور القصيدة، وهي صور: (المشابهة، والمجاورة، والرؤيا، والعلامة، والتآلف، والمخالفة)؛ أمّا [صورة المشابهة] فتقوم على التشبيه والاستعارة، ومن نماذجها: التشبيه الصريح في قول الشاعر: "يَا زَهْرَةَ البُلْدَانِ"، وقد شبّه الشاعر فيها وطنه عُمان بالزهرة، وحذف المشبه به صراحةً، ويمكن اعتبارها أيضًا استعارة تصريحية، إذ صرّح بالمشبّه به وهو (الزهرة) وأراد به وطنه عُمان، ودلّت الصورة على أنَّ عُمان: (جميلة، نضرة، محبوبة، عبقة، مميزة بين الأقطار). والصورة في قوله: "يَا وَاحَةَ الأَمْنِ" استعارة صوَّرت عُمان بواحة سلام وسط صحراء مضطربة بالصراعات. وأمّا [صورة المجاورة]، فهي صورة شعريّة تنشأ من تجاور لفظين أو أكثر يسهمانِ في إنتاج صورة ومعنى مركب، كما في قوله: "بَرَاكِينٍ وَرِيَاحِ" فالبراكين والرياح عناصر طبيعية، ولكن الشاعر استعملها مجازًا للإشارة إلى الاضطرابات والصراعات العالمية. ونجد صورة المجاورة أيضًا في قوله: "خَوْفٍ وَأَتْرَاحِ"، وهما لفظان معنويان يعبران عن الحالة النفسية للإيحاء بكثافة المعاناة. أما [صورة الرؤيا]، وتسمّى اصطلاحًا بالمشهد الرؤيويّ، ونعثر عليه في قول الشاعر: "رَأَى الأَرْضَ تَمُورُ بِبَرَاكِينٍ وَرِيَاحِ"، وهي صورة رؤيويّة حوّل الشاعر من خلالها الواقع السياسي العالمي المضطرب إلى مشهد رؤيويّ، حيث تحوَّلت الأرض إلى فضاء مضطرب، تتصارع فيه القوى العالمية على النفوذ والسيطرة. وجاء الفعل " تَمُورُ" ليكوَّن صورة حركية تعبِّر عن الاضطراب والصراع المستمر بين القوى الإقليمية والعالمي. أمّا [صورة العلامة] ويُقصد بها الرمز القابل للتأويل، كما في قول الشاعر: "وَشَاحُ السَّلَامِ"؛ فالوشاح هنا ليس زينة وإنما مفتاح تأويليّ وعلامة ترمز إلى حالة عُمان من حيث السلام والأمن والاستقرار والحكمة. أمّا [صورة التآلف]، فهي صورة شعرية تتكوّن من مفردات تنتمي إلى حقول مختلفة، كما في قول الشاعر: "وَالسَّلَامُ لَنَا خَيْرُ وِشَاحِ"؛ فالسلام هنا مفردة ذات قيمة معنويّة والوشاح له صورة ماديّة، والشاعر جمع بينهما فتولّدت عنهما صورة كَليّة جعلت السلام زيًّا ترتديه عُمان، وكذلك في قوله: "الصَّبْرَ سِلَاحًا" فالصبر قيمة نفسيّة حوّلها الشاعر إلى سلاح مادي في يد السلطان. أمّا [صورة الاختلاف] حيث استعمل الشاعر المقابلة بين جملتين كآليّة لإنتاج صورة شعرية ومعنى جديد، ومن نماذجها قول الشاعر: "بَاتَتْ كُلُّ البُلْدَانِ فِي خَوْفٍ وَأَتْرَاحِ" في مقابلة "فَنَعِمْتِ يَا وَاحَةَ الأَمْنِ"، وهي الصورة المركزية في القصيدة؛ تصوّر لنا (عُمان الآمنة في مقابلة عالم مضطرب).

وفي الأخير يبقى القول.. إنّ قصيدة "وشاح السلام" للشاعر علي بن حمد بن عيسى الطائيّ (أبو هاشم الطائيّ) ترتكز على خطاب وجدانيّ يتدثر بالوطنيّة، ويضفِّر محبّة الشاعر لوطنه عُمان، وإشادته باستقرارها والثناء والشكر والإشادة بحكمة السياسة الخارجية والداخلية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وحكومته الرشيدة في معالجة الملفات الإقليمية الساخنة، وإدارة مشاريع التنمية المستدامة لصالح شعبه ورفاهيته، ومن ثمَّ ظهرت صورة عُمان في القصيدة مطابقة للصورة الواقعية من حيث كونها واحة الأمن والأمان في مقابل صورة عالم صاخب تتنازعه الصراعات.

 

وِشَاحُ السَّلَامِ

 

شعر: علي بن حمد بن عيسى الطائي (أبوهاشم الطائيّ)

فِي سَبِيلِ عُمَانَ دَمِيتُ مِنَ الجِرَاحِ

آنَ لِي بِقَلَمٍ يَشْدُو كُلَّ صَبَاحِ

فَيَكْتُبُ فِي حُبِّهَا بِأَعْذَبِ كَلِمَاتٍ مَدَّاحِ

يَا زَهْرَةَ البُلْدَانِ سَلَامًا لِنَفْحِكِ الفَوَّاحِ

بَاتَتْ كُلُّ البُلْدَانِ فِي خَوْفٍ وَأتْرَاحِ

فَنَعِمْتِ يَا وَاحَةَ الأَمْنِ بِحِكْمَةٍ وَسَمَاحِ

فَرُزِقْنَا بِـ(سُلْطَانٍ) ذِي حِلْمٍ وَإِصْلَاحِ

رَأَى الأَرْضَ تَمُورُ بِبَرَاكِينَ وَرِيَاح

جَعَلَ الصَّبْرَ سِلَاحًا أَنْكَى مِنَ الصِفَّاح

فَخَرَجْنَا وَالسَّلَامُ لَنَا خَيْرُ وِشَاح

فَخَرَجْنَا وَالسَّلَامُ لَنَا خَيْرُ وِشَاح

فَلِقَدَرِ الأَوْطَانِ أَنْجُمٌ تُحْفَظُ فِيهَا الأَرْوَاح

فَلِلَّهِ الْحَمْدُ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَفَلَاحِ

وَالصَّلَاةُ على الرَّسُولِ حَتْمًا فِي كلّ لَيْلٍ وَصَبَاحِ

الأكثر قراءة

z