سلطان بن ناصر القاسمي
الحياة مليئة بالمتغيرات المجتمعية، وعندما نتحدث عن إدارة مالية أسرية، فلا بد من النظر بشكل عام إلى تسارع ارتفاع الأسعار وكثرة الاحتياجات، وبالتالي فإن هناك دعوة إلى بناء ثقافة مالية تقوم على الاعتدال والادخار والتخطيط الآمن لتوفير الاحتياجات الضرورية، والتقليل نوعًا ما من الرغبات.
أصبح توفر المال أمرًا أساسيًا لاستقرار الأسرة، وفي الوقت نفسه قد يكون سببًا في كثير من الضغوط والمشكلات الأسرية عندما لا يُدار بوعي وتخطيط سليم. وعندما نتحدث عن شاب في بداية مشواره المهني والعملي، فهو يفكر في كثير من الاحتياجات الأساسية بالنسبة إليه، كالسيارة والزواج وغيرها. كل هذه الجوانب مهمة، نعم، ولكن قبل التفكير في أسهل الطرق لتوفيرها، والمتمثلة في الاقتراض البنكي، لا بد من التمعن في طريقة السداد ومدته. وهنا قد يفشل البعض في التخطيط السليم، فيتحول القرض من وسيلة لسد حاجة إلى أسلوب ونمط حياة دائم يرتبط بالفرد، للأسف، إلى ما لا نهاية.
هناك كثير من الالتزامات الشهرية الصغيرة التي تأخذ جزءًا كبيرًا من دخل الفرد، وبالتالي يتأثر النظام المالي للأسرة، مما يجعل الراتب موزعًا قبل استلامه. وعليه، يحدث تراجع وتأجيل لكثير من الالتزامات والاحتياجات الأساسية، ما قد يتسبب في ظهور مشكلات أسرية. وأقصد هنا، على سبيل المثال، حضور المناسبات التي يتم التجهيز لها بشراء الملابس أو استئجارها، إلى جانب تكاليف التزين للمناسبة، وهذه كلها أمور طارئة قد تأخذ من حق الاحتياجات الأساسية. وبالتالي يجد الأب والأم نفسيهما أمام مسؤوليات أكبر من قدرتهما على الاحتمال.
عزيزي القارئ، أنا هنا لست ضد اللجوء إلى الاقتراض إذا كانت هناك حاجة ماسة؛ فهناك حاجات أساسية يصعب تحقيقها إلا من خلال تمويل منظم ومدروس. وقبل البدء في ذلك، على الإنسان أن يسأل نفسه: هل هناك حاجة ضرورية؟ وهل أستطيع تحمل القسط دون أن تتأثر احتياجات الأسرة الأساسية؟ وهل هناك بديل آخر يمكن الاعتماد عليه دون تحمّل أعباء القرض؟ وهنا تأتي أهمية الموضوع وطرحه.
فعزيزي القارئ، إن وجود الجمعيات المالية الأسرية، أو نظام الادخار الجماعي، القائم على نظام وقواعد واضحة، مع وجود ضمانات تحفظ حقوق المشاركين، يمكن أن يسهم في تعزيز ثقافة الادخار. فالفرد يلتزم بدفع مبلغ مالي ثابت كل شهر، ويتعلم من خلاله أن يقتطع جزءًا من دخله قبل أن يبدأ الإنفاق، وهذا مهم جدًا، وألا يترك الادخار إلى ما يتبقى من الراتب؛ لأنه غالبًا لن يتبقى منه شيء دون صرف. واتباع هذا النهج من قبل رب الأسرة ينعكس على الأبناء وبقية أفراد الأسرة، ليصبح نهجًا متبعًا لدى الجميع.
يُعد الادخار من أهم الوسائل التي تمنح الإنسان مساحة من الأمان والاستقلالية، وهذا يبدأ، كما ذكرت سابقًا، منذ استلام الراتب، وليس بالاعتماد على ما يتبقى منه؛ لأن ما يتبقى غالبًا ما يُنفق أيضًا.
كما أن هناك وسيلة أخرى تساعد على تنمية ثقافة الادخار، وهي أن يخصص الإنسان حسابًا مصرفيًا مستقلًا، يحوّل إليه مبلغًا فور استلام الراتب بصورة آلية، مع التقليل من وسائل الوصول إليه؛ فمثلًا، لا يكون مرتبطًا ببطاقة السحب اليومية. وبالتالي يتحول الادخار من قرار مؤقت إلى نظام مالي مستمر؛ لأن هذا المال يصبح بعيدًا عن الإنفاق العفوي اليومي.
عزيزي القارئ، لا يعني اتباع نهج الادخار البخل أو حرمان الأسرة من متع الحياة، وإنما هو ثقافة تُغرس لدى الجميع، مع توضيح الفرق بين الحاجة والرغبة، وبين الاستمتاع بالحاضر وحماية المستقبل. فالأسرة الواعية ليست التي تنفق أقل دائمًا، وإنما التي تعرف أين تنفق، ومتى تنفق، وما الذي تستطيع تحمّله.
وقد جاء التوجيه في القرآن الكريم واضحًا في النهي عن الإسراف، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. وهذا التوجيه الإلهي لم يأتِ لمنع الإنسان من الإنفاق، وإنما لضبطه وعدم تحويل المال إلى وسيلة للإسراف أو التبذير.
وأرى أن يكون هناك حوار بين أفراد الأسرة، يتم فيه الحديث عن ميزانية الأسرة بطريقة بسيطة، وآلية الصرف، مع توضيح الأولويات والالتزامات وما هو مطلوب للمستقبل. وهذا يؤدي إلى نمو سلوك التخطيط والادخار، بحيث يتعلم الأبناء بالقدوة قبل الكلام.
وفي النهاية، فإن القضية ليست في مقدار ما يكسبه الإنسان فقط، وإنما في قدرته على إدارة ما يكسب. نعم، قد لا تستطيع أن تزيد من دخلك، لكنك تستطيع أن تعلّم أسرتك كيف تدير دخلها، وكيف تجعل القليل أساسًا للكثير، وتجعل من الادخار عادة، ومن التخطيط المالي أسلوب حياة.
