سلطان بن ناصر القاسمي
متى يجب أن نُقدِّم الشكر للآخرين؟ وهل ننتظر منهم أن يقدموا لنا الكثير حتى نشكرهم؟ أم أنَّ كل من يقدم لنا خدمة، مهما كانت بسيطة، يستحق منَّا كلمة شكر وتقدير؟ وهل يتعلم الإنسان الشكر من تربيته والبيئة التي نشأ فيها، أم أنَّ الشكر خُلُق يعكس ما يحمله في داخله من تقدير ووفاء واحترام للآخرين؟ أعتقد أنَّ كثيرًا منَّا مرّ بمواقف قدم فيها معروفًا ولم يجد من يشكره، وفي المقابل قد نتذكر أشخاصًا لم يقدموا لنا سوى مساعدة بسيطة أو كلمة طيبة، لكننا ما زلنا نحفظ لهم ذلك الجميل حتى اليوم.
ومن وجهة نظري، فإنَّ الشكر لا يرتبط بحجم العطاء، بل بقيمة الموقف وأثره في النفس، فقد تكون كلمة طيبة صادقة، أو مساعدة يقدمها شخص في وقت الحاجة، سببًا يستحق الشكر والتقدير. كما أن الشكر لا يقتصر على من نحبهم أو تربطنا بهم مصالح مُعينة، بل يشمل كل من أحسن إلينا، سواء كان قريبًا أو صديقًا أو زميلًا، أو حتى شخصًا صادفناه في موقف عابر وترك أثرًا طيبًا في أنفسنا.
ولعلَّ الأهم من ذلك أن نربي أبناءنا على ثقافة الشكر، وأن نعلمهم إدراك قيمة المعروف واحترام جهود الآخرين، فالإنسان الذي لا يشكر على المعروف الصغير قد لا يُدرك قيمة المعروف الكبير. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ الناسَ"، وهو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي.
عزيزي ولي الأمر.. لا تقتصر التربية على تعليم الأبناء العلم والمعرفة فقط، بل تمتد إلى غرس القيم والأخلاق التي تصنع شخصياتهم وتحسن تعاملهم مع الآخرين. فالطفل الذي يتعوَّد على شكر من يقدم له خدمة، وتقدير من يبذل جهدًا من أجله، ينشأ مدركًا أنَّ المعروف لا يُقابل بالتجاهل، وأن العلاقات الإنسانية تقوم على الأخذ والعطاء. وللوالدين دور كبير في ذلك، فحين يقدم الابن خدمة أو يُحقق إنجازًا، فإن شكره والثناء على جهده يُعززان ثقته بنفسه ويحفزانه على تقديم المزيد من العطاء. كما أن تعويد الوالدين أنفسهما على شكر أبنائهما يعلمهم أن الاعتراف بفضل الآخرين لا ينتقص من مكانة الإنسان، بل يعكس حسن تربيته وأخلاقه.
وقد استوقفتني قصة روتها إحدى المشرفات في جمعية أهلية تُعنى بالأعمال الخيرية ومساعدة الأسر المحتاجة، عن امرأة حضرت برفقة ابنتها وزوجها، ظنًا منها أنَّ الجمعية توفر خدمات لرعاية كبار السن. وعندما عرفت طبيعة الخدمات التي تقدمها الجمعية، شرحت بحرقة أنها تقوم على خدمة زوجها وتلبية احتياجاته، لكنها لا تجد منه شكرًا أو تقديرًا، بل تُواجه أحيانًا كلمات جارحة وإهانات. وأوضحت أن أبناءهما يعملون في محافظات بعيدة، وأنَّ أعباء الرعاية اليومية أنهكتها وأثّرت في قدرتها على الاستمرار، فبحثت عن جهة تساعدها في رعاية زوجها.
لقد تأثرت بهذه القصة كثيرًا، فالزوجة التي تبذل جهدها ووقتها في خدمة زوجها، وتتحمل مشقة رعايته، ألا تستحق كلمة شكر وتقدير؟ وهل من الإنصاف أن تقابل كل هذا العطاء بالجحود والإساءة؟ إن من يقدم الرعاية، سواء كان زوجة أو زوجًا أو أحد الأبناء، يحتاج هو الآخر إلى من يقدر جهده ويراعي مشاعره. فالرعاية ليست طعامًا ودواءً وخدمة فحسب، بل تحتاج إلى الكلمة الطيبة والاحترام والرفق بمن يقدمها. وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن: 60).
ولا ينبغي أن نكتفي بتعليم أبنائنا واجب خدمة الوالدين، بل علينا أن نغرس فيهم أيضًا ثقافة الرحمة والشكر والوفاء، وأن نعلمهم أن بر الوالدين لا يكون بالكلام وحده، وإنما بالاهتمام بهما ومراعاة ظروفهما، خاصة عندما يتقدمان في العمر ويحتاجان إلى الرعاية. كما أن بُعد الأبناء عن والديهم بسبب العمل لا ينبغي أن يجعل المسؤولية كاملة على عاتق أحد أفراد الأسرة، فمن الممكن توزيع أعباء الرعاية بين الأبناء، وتنظيم الزيارات والتناوب على الحضور، والمساهمة في توفير احتياجات الوالدين، أو الاستعانة بمقدم رعاية مناسب عند الحاجة.
وللمؤسسات الحكومية والاجتماعية دور مهم في مساندة الأسر التي تواجه صعوبات في رعاية كبار السن، خصوصًا الأسر محدودة الدخل، من خلال تعزيز خدمات الرعاية المنزلية، وتقديم الدعم المالي للحالات المستحقة للمساعدة في تحمل تكاليف الاستعانة بمقدم رعاية مؤهل، إلى جانب توفير الإرشاد والدعم لأفراد الأسرة الذين يتولون مسؤولية الرعاية. كما أن بعض الأبناء قد يرغبون في رعاية والديهم، لكن ظروف العمل تحول دون وجودهم بالقرب منهما، ولذلك فإنَّ دراسة ترتيبات عمل أكثر مرونة لهذه الحالات، بالتنسيق مع جهات عملهم ووفق الإمكانات والأنظمة المتاحة، قد تساعدهم على أداء واجبهم تجاه والديهم دون الإخلال بمسؤولياتهم الوظيفية.
وما نحتاج إلى تعليمه لأبنائنا منذ الصغر هو أن لكل عطاء قيمة، وأنَّ كلمة الشكر لا تكلف الإنسان شيئًا، لكنها قد تعني الكثير لمن يسمعها، خاصة عندما يكون قد بذل جهدًا أو تحمل مشقة من أجل الآخرين. وعلينا أيضًا أن نعلمهم أن ردّ الجميل لا يعني بالضرورة تقديم خدمة مماثلة، فقد يكون بالسؤال والاهتمام والمساندة، أو بالوقوف إلى جانب من أحسن إلينا عندما يحتاج إلى من يقف معه.
إنَّ الشكر ليس مجرد كلمة نقولها من باب المُجاملة، ولا ينبغي أن يكون مرتبطًا بمصلحة نُريد تحقيقها، بل هو خُلُق نتعلمه ونمارسه في بيوتنا ومع أبنائنا وفي تعاملنا اليومي مع الآخرين. وإذا أردنا أن يكبر أبناؤنا وهم يقدرون عطاء الناس ويحفظون لهم المعروف، فعلينا أن نكون أول من يعلمهم ذلك بأفعالنا قبل أقوالنا. فليس من العدل أن نطالب الآخرين بالعطاء ثم نقابل إحسانهم بالجحود، ولا من الوفاء أن ننسى من أفنى وقته وجهده في خدمتنا. وكم من إنسان لا ينتظر منا مالًا ولا هدية، وإنما ينتظر كلمة شكر صادقة تشعره بأنَّ ما قدمه لم يذهب سدى.
