المجتمع العُماني.. مناعة تاريخية وهوية وطنية جامعة

 

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

أتابع، وغيري مُطَّلع كذلك، على ما يبدو أنَّه تزايد في حملات الإساءة إلى بلادنا، وما يصاحب بعضها من محاولات للإساءة إلى النسيج الاجتماعي ورموزه في خطأ تقديري منهم، يعتقدون أنَّهم بذلك سيتمكنون من المساس بعُمق تعدد المجتمع وتنوعه الفكري والترابي، ولن يخفى على كل مواطن عُماني الغاية من ذلك، وهي إثارة الانقسامات، والنيل من الثقة والاستقرار، وشغل بلادنا بداخلها، وهؤلاء المتربصون الجُدد "جهلاء" بعناصر القوة التاريخية والحضارية والمعاصرة التي يتمتع بها المُجتمع العُماني.

لدى مجتمعنا العُماني مناعة مُحصَّنة من اختراق المُتربِّصين ما يجعله يرفض حملات الإساءة والنفاذ إلى وعيه أو العبث بوجدانه، أو إعادة تشكيل علاقاته الداخلية، فمهما نَفَذَتْ الإساءات إلى الحواس الخمس لدى المواطن، فلن تنفذ إلى وعيه أو تتسلل إلى وجدانه، أو تعبث ببوصلة انتمائه، أو تنال من تماسك نسيجه الاجتماعي؛ فالمجتمع لديه تجربة عميقة- اختلافات/خلافات، توترات، اضطرابات.. قبل 1970، يُقدِّر- من خلالها الآن- مُنجز قيمة السلم الاجتماعي والاستقرار العام والشامل الذي ترسَّخ منذ مجيء السلطان الراحل قابوس بن سعيد- رحمه الله.

مما تقدَّم، نُعلي هنا من شأن الثقة بوعي المجتمع، وتعزيز مناعته، وتوظيف رصيده التاريخي والحضاري، والمُقارنة بين ما يتمتع به المجتمع العُماني من وحدة وطنية وترابية واستقرار عام وبين ما يعيشه مُحيطه الإقليمي من اضطرب لا تُعرف نهايته، وهنا نافذة صغيرة نفتحها في هذا التوقيت بالذات لتعزيز الثقة بصوت مرتفع، والقدرة على مواجهة كل الإساءات المغرضة ومدفوعة الثمن. ومع ذلك، فإن استهداف بلادنا من مفاصل حساسة جدا، والآن بالذات، لا ينبغي التهاون فيه، لأنَّ هذه الحملات لن تكون مُؤقتة، وستتطور وتتعمق، لأنَّ قوة بلادنا الناعمة هي الهدف المستهدف "التالي"، بعدما ثبُت نجاعة تأثيرها في قضاياها الوطنية والإسلامية والقومية وحتى الإنسانية.

ومما ينبغي لفت الانتباه إليه الآن، أنه ليس كل ما يُهدد السلم الاجتماعي فعلًا أو سلوكًا يصدر عن أفراد، فقد تكون بعض القرارات من جهات حكومية غير مدروسة بضوابط الحقبة الراهنة أكثر قدرة على إثارة التوتر، والعبور منه للاختراقات؛ لذلك، ندعو إلى هنا ألا يقاس القرار الحكومي بمدى ملاءمة وسائله والبعد المالي الغائي من ورائه، وإنما يستند إلى فهم المجتمع والإكراهات الإقليمية المحيطة به، وفي حالات نرى أن هناك حاجة إلى تبني مبادرات اجتماعية تُعزز التفاؤل والثقة.

والتساؤل هنا: هل لدينا منظومة تقيس حجم ظاهرة الإساءة، وتحديد مصادرها وأسبابها وآفاقها، وتقييم مستقبل تأثيرها أم أننا لا نزال في طور التحذير؟ فخطبة الجمعة الأخيرة أكدت على أهمية السلم الاجتماعي، وحذرت من الأقوال والأفعال التي تُهدد تماسك المجتمع، إلا أن المسؤولية تقتضي ألّا نكتفي بالتحذير مهما كانت أهميته؛ بل ننتقل إلى مرحلة عميقة وأكثر فاعلية، لذلك أقترح إنشاء آلية وطنية متكاملة متخصصة لحماية السلم الاجتماعي، ومواجهة حملات التضليل والتحريض، تتضمن:

- رصد وتحليل وتوثيق الحملات، وتحديد أنماطها ومصادرها المختلفة.

- استجابة إعلامية ذكية، من أجل توفير معلومات دقيقة، وتصحيح الادعاءات بسرعة، وتوحيد الرسائل الإعلامية عند الحاجة.

- شراكة مجتمعية عبر إشراك الإعلاميين والمثقفين والمؤسسات الاهلية والقيادات المحلية في نشر الوعي.

- معالجة أهم الأسباب الداخلية، عبر مراجعة القرارات ذات الأثر الاجتماعي.

ونخرج من هذا التفكير الوطني بالمسؤولية التالية: الفرد أو المجتمع مسؤول عن ألَّا يكون أداة للفتنة، والمسؤول أو المسؤولين معنيون بأن لا يتركوا أسبابها تتراكم. وكم نحتاج الآن في ضوء انكشافات المُتربِّصين إلى بناء سياسة وطنية وقائية تعزز التحصينات الاجتماعية، وتجعلها ضمن سياقاتها التاريخية والحضارية والوطنية المعاصرة حتى لو تحررنا قليلاً من سياسة تقليل الإنفاق الحكومي.

اللهم احفظ نسيجنا الاجتماعي من كل المتربصين به، واجعلنا جميعًا حُرَّاسًا لوحدتنا، أوفياءً لوطننا، حريصين على أمنه وسلامته.. اللهم آمين.

الأكثر قراءة

z