هند الحمدانية
ثمَّة أماكن على هذه الأرض تشعر حين تطأها أنَّ الزمن يتوقف قليلًا من أجلك، أماكن لا تكبر فيها، بل تستعيد شيئاً من شبابك الذي أخذته الأيام، تمشي أكثر وتتنفس أعمق، ترغب في الجلوس تحت شجرة وأن تمد وجهك للشمس، وأن تزرع بيديك وتقطف ثمرة من غصنها، وربما ترقص من فرط خفتك وفرحك بالحياة.
أماكن تعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، بسيطًا.. مُمتنًا.. حيًّا، وهذه الأماكن نادرة جدًا، وحين يهب الله وطنًا بقعةً كهذه، فهي هبة عظيمة ونعمة وأمانة، ومن أكرمه الله بأن يعيش فيها أو يزرع أرضها، أو حتى يقضي أيامه بين أشجارها، فقد نال شيئًا من حظوظ الدنيا الجميلة.
ومن هذه الأماكن... الجبل الأخضر، يصعب أن تكتب عن الجبل الأخضر كما تكتب عن أي مكان آخر، لأنه يستعصي على الوصف ولا يُدرك حقًا إلّا حين يُمكَث فيه، فكيف لي أن أشرح لك برودة الهواء حين تلامس وجهك هناك؟ وكيف أصف ذلك النسيم وهو يعبُر بين الأشجار والمدرجات؟ ماذا أقول عن صباحاته، وعن الشمس حين تتسلسل إلى المزارع، وعن الرمان والزيتون والتين والمشمش والورد؟ وعن ذلك الشعور الغريب بأنَّ الأرض نفسها تدعوك إليها زائرًا وضيفًا وحبيبًا وأنيسًا، تدعوك أن تتذكر أنَّ الحياة لم تُخلق كلها من إسمنت وزجاج وسيارات ومواعيد عمل؟ حتى أهل الجبل يشبهونه كثيرًا، فيهم شيء من بساطة الأرض وصدقها وعفويتها، وفيهم شيء من كبرياء الجبل وشموخه، وكأنَّ المكان والإنسان عقدا منذ زمن بعيد اتفاقًا غير مكتوب؛ أن يحتفظ كل منهما بشيء من أصالة الآخر، فهي توليفة نادرة من المناخ والأرض والإنسان والتاريخ، تفاصيل نبيلة اجتمعت فوق ظهر هذا الجبل.
لكنني كلما رأيت هذا الجمال، تسلَّل إلى داخلي سؤال حقيقي: هل أدركنا حقًا ماذا نملك؟! وهل استثمرنا هذه الهبة الربانية كما يجب؟ وهل استوعب كل مسؤول قائم على شأن هذا الجبل قيمته التي لا تُقدَّر بثمن وفرصه التي ما زالت تنتظر من يظفر بها ويغتنمها؟
الجبل الأخضر أصل اقتصادي وزراعي وسياحي يمكن إذا أُديرت إمكاناته بحجم ما يستحق أن يصبح نموذجًا عُمانيًا متفردًا في الزراعة عالية القيمة والسياحة الزراعية والصناعات التحويلية، والأرقام هنا أكثر بلاغة من الوصف، ففي الجبل الأخضر اليوم أكثر من 27 ألف شجرة رمان مُثمِرة، وقد بلغت القيمة التسويقية لمحصول الرمان في موسم 2025/2024 نحو 1.3 مليون ريال عُماني، أما الزيتون فقد بلغ إنتاج زيته في الموسم الماضي 90 ألف لتر، بقيمة مليونٍ وخمسة وثلاثين ألف ريال عُماني، فيما تشير البيانات الحديثة إلى وجود نحو 20 ألف شجرة زيتون. تأملوا الأرقام قليلًا، فنحن لا نتحدث عن تصور نظري لمحصول "قد" ينجح يومًا ما، بل نحن أمام محاصيل نجحت في الواقع، ومنتجات خرجت بالفعل من الأرض، وسوق دفع مقابلها ملايين الريالات في موسم واحد.
أضف إلى ذلك الورد، ذلك العطر الذي أصبح موسمًا سياحيًا وذاكرة ثقافية وصورة من صور الجبل الأخضر في وجدان العُمانيين وزوار الجبل؛ حيث تشير بيانات موسم 2026 إلى نحو 6 آلاف شجرة ورد وإنتاج سنوي يقارب 30 ألف لتر من ماء الورد، وفي الوقت نفسه يجري تنفيذ مشروع لرفع القيمة المضافة لمحصول الورد، يتضمن دعم زراعة خمسة أفدنة إضافية، وهنا تحديدًا يستحق الأمر أن نتوقف قليلًا، فإذا استطاعت بضعة آلاف من شجيرات الورد أن تصنع موسمًا ينتظره الناس! وأن تُحرِّك السياحة والأسر المنتجة والصناعات التقليدية! فما الذي يمكن أن يحدث إذا تحول الورد من موسم محدود إلى صناعة عُمانية متكاملة؟!
وهنا من الإنصاف القول إنَّ العمل قائم، وإن مؤسسات الدولة لم تكن غائبة، فهناك دعم للمزارعين ومكافحة الآفات ومشاريع لرفع القيمة المضافة وحراك سياحي مُتزايد؛ حيث استقبل الجبل الأخضر أكثر من 222 ألف زائر خلال عام 2025 بزيادة بلغت 9.1% عن العام السابق، نعم هناك أعمال قائمة لكنها للأسف ليست بحجم ما يملك الجبل من قيمة وثروة.
ففي الإدارة لا تكفي المعرفة النظرية ولا ينبغي للقرار في القطاعات الإنتاجية أن يعيش بعيدًا عن أرضه، الشهادة مهمة والتخصص ضرورة والدراسة العلمية أساس لا غنى عنه، لكن هناك معرفة أخرى لا تمنحها الجامعات، ألا وهي معرفة الميدان.
من أمضى عشرين عاماً أو أكثر بين أشجار الجبل يعرف أشياءً قد لا تقولها التقارير، يعرف متى تعطش الشجرة ومتى تمرض، وأي الأصناف تصمُد وأيها يفشل، وكيف ومتى يتغير الموسم، وغيرها من التفاصيل والمهارات التي لا تكتسب إلا بالعشرة بين الفلاح والأرض والشجرة، لهذا أتمنى أن يكون أهل الميدان أكثر حضورا في صناعة القرار الزراعي، وأن يعاملوا كشركاء فاعلين يستمع إليهم قبل اتخاذ القرار.
ومن التجارب التي تستحق التأمل في المجال الزراعي تجربة فيتنام، فقد بقيت ملكية الأرض للدولة، لكن إصلاحات استخدام الأراضي مَنحت المزارعين حقوقًا أكثر استقرارًا وطويلة الأجل؛ حيث أتاح قانون الأراضي في عام 1993 حقوق استخدام تصل إلى 50 عاماً للمحاصيل المعمرة، مع إمكانات للتوريث والتعامل بالحق واستخدامه ضمن النظام القانوني، كما أطلقت فيتنام برنامجًا وطنيًا عام 2018 تحت شعار "منتج واحد لكل مجتمع محلي" (OCOP) القائم على استثمار الميزة النسبية لكل منطقة، وتطوير منتجاتها المحلية من حيث الجودة والقيمة المضافة والتسويق؛ مما أسهم في تحقيق نقلة نوعية للزراعة الفيتنامية نحو إنتاج أكثر كفاءة.
وفي الصين أيضًا نموذج مشابه للتجربة الفيتنامية؛ حيث نقلت الدولة قرار الزراعة ومسؤولية الإنتاج وعائده إلى الأسر، فمع "نظام مسؤولية الأسر التعاقدية" بقيت الأرض في إطار الملكية العامة أو الجماعية، بينما منحت الأسر حقوقًا أوسع في إدارة الإنتاج والاستفادة من العوائد وضمنت لهم حقوق تعاقدية ممتدة ومستمرة، وبحلول 1984 كان نحو 99% من الأراضي الزراعية قد أصبح متعاقدًا عليه من الأسر. وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن هذه التغييرات المؤسسية كانت من العوامل الرئيسة في ارتفاع الإنتاجية الزراعية في الصين وتحقيق معجزة إطعام قرابة 20% من سكان العالم (خمس سكان العالم) باستخدام أقل من 9% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة.
ومن هنا ربما يستحق نموذج الانتفاع الزراعي القائم في الجبل الأخضر أن يعاد النظر فيه والتوسع من خلاله بعناية تفوق الإجراءات الروتينية لتخصيص الأراضي، فلماذا لا تبحث الوزارة عن الأراضي القابلة للاستثمار الزراعي، ثم تفتحها بحقوق انتفاع طويلة ومدروسة للمزارع الجاد، وللمهندس الزراعي الشاب ولرائد الأعمال والمستثمر؟ لماذا لا نفتح الباب للمستثمرين والمزارعين والشباب الطموح، نقدم لهم أراضي للانتفاع، ليزرعوها ويحققوا معايير الإنتاج والاستدامة، وليضيفوا قيمة، وليوظفوا ويبتكروا.
ولتتخيلوا الجبل بعد سنوات من هذه القرارات وقد أصبح له اقتصاد يحمل اسمه: زيت زيتون فاخر، ورمان مصنف ومعبأ وفق معايير تصديرية، وتين مُجفَّف ومنتجات من المشمش والعسل وماء الورد، وزيوت عطرية ومستحضرات عناية، ومشروعات متنوعة للتصنيع الغذائي وغيرها، ووجهة سياحة زراعية عالمية.
حقيقة نحن نملك المورد "الجبل الأخضر" ولكن ينقصنا أن نصنع منه اقتصادا فعّالا، والحاجة مُلحَّة أن نبني بيئة داعمة تجعل الناس ينتجون ويستثمرون وينجحون؛ فليس المطلوب من الوزارة أن تزرع أو أن تدير كل مزرعة، المطلوب أن تكون هي اليد التي تفتح الطريق وتضع القواعد، والجسر الذي يصل صاحب المعرفة بصاحب رأس المال، والمزارع بالباحث والمنتج بالسوق.
وفي زمن تبحث فيه الدولة عن مصادر جديدة للدخل، وعن الأمن الغذائي، وعن اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، ربما لا تكون كل الإجابات بعيدة كما نتصور، بعضها قريب جدًا، ينتظر منَّا قرارا رسميا بأن نوسع نموذج الانتفاع الزراعي توسعًا مدروسًا وجريئًا، وأن نضع الأرض القابلة للإنتاج في يد من يملك المعرفة والمشروع والقدرة على إحيائها، بعقود طويلة الأجل، وشروط تحمي الماء والتربة وهوية الجبل، فليس من الحكمة أن تبقى أرض قادرة على العطاء في قائمة الانتظار، وفي عُمان من يُريد أن يزرع بشغف ويستثمر ويصنع ويصدر.
وسِّعُوا الانتفاع في الجبل الأخضر، افتحوا الأرض للجادين وللشباب والمزارعين، وضعوا لها من الشروط ما يصونها، ثم دعوا العُماني يُثبت للعالم كيف تتحول حفنة من تراب، حين تُمنح للأيدي التي تؤمن بالأرض... إلى ذهبٍ.
