من بياناتنا الرقمية.. ماذا سيقول عنا البشر بعد 500 سنة؟

 

 

 

مؤيد الزعبي

تخيَّل معي عزيزي القارئ مشهدًا بعد 500 عام، لعالِم آثار يقف أمام شاشات هولوغرام تستعرض ما كان يومًا «حياتنا الرقمية»، هذا العالِم لا يحفُر في الأرض بحثًا عن عظام أو فخار، ولا يقرأ نقشًا على حجر؛ بل ينقب في خوادم ميتة، وملفات منسية، وصور لم تُحذف تمامًا، ورسائل أُرسلت في منتصف الليل، ومحادثات قديمة مع خوارزميات ذكاء اصطناعي، إنه عالم آثار رقمي يحاول أن يفهم إنسانًا عاش قبل خمسة قرون، فماذا سيقول عنَّا؟

ربما يفتح حساب شخص عادي؛ فيجد آلاف الصور المبتسمة، وصور السفر والطعام والاحتفالات والنجاحات، لكنه لن يجد تلك الليلة التي جلس فيها صاحب الحساب وحيدًا وبكى، ولا لحظة خوفه من المستقبل أو من المسؤولية، ولا الشك الذي عاشه قبل قرار غيّر حياته، ولا الحوار الطويل الذي دار في مطبخ منزله مع شخص يحبه، لم تُسجل تلك اللحظات لأننا لا ننشر أحزاننا ولا أفكارنا الداخلية، وصحيح أننا بدأنا بالبوح بالبعض منها لخوارزمية ذكاء اصطناعي، إلا أن هذا لن يعطي انطباعًا ولن يُكون حقيقة أمام حجم البيانات التي ننشرها، لذلك قد يكتب عالم الآثار في دراسته أن هذا الإنسان عاش حياة مستقرة وسعيدة، لكنه كان قليل البوح بمشاعره الحقيقية، وهنا تظهر المفارقة: بياناتنا قد تكون صادقة، لكنها ليست الحقيقة كاملة.

نحن أول جيل يستطيع تقريبًا توثيق حياته لحظة بلحظة، ومع ذلك قد نكون من أكثر الأجيال التي تترك وراءها تاريخًا ناقصًا، فنحن لا نوثق كل شيء، بل نختار ما نريد أن يبقى، نصور النجاح أكثر من الفشل، والاحتفال أكثر من الانتظار، وننشر آراءنا بسرعة، بينما تبقى شكوكنا وأسئلتنا الداخلية خارج السجل، وهكذا قد يتحول تاريخنا الرقمي إلى نوع من «المونتاج الجماعي» للماضي؛ ليس لأن أحدًا زوره، بل لأننا جميعًا قمنا من دون وعي بتحريره وصياغته قبل أن يصبح تاريخًا.

لكن ماذا لو كان الإنسان بعد 500 عام قادرًا على قراءة ما وراء هذه البيانات؟ ماذا لو لم يكتفِ بالمنشور، بل حلّل توقيته، وطريقة كتابته، وما حذفناه، وما بحثنا عنه قبل نشره، ومن تفاعل معه؟ ربما الذكاء الاصطناعي أو تقنيات مستقبل ذلك الزمان ستكون قادرة أن إعادة بناء شخصياتنا من ملايين التفاصيل الصغيرة، وأن يستنتج ما أخفيناه حتى عن أنفسنا، عندها يصبح السؤال أكثر غرابة: ماذا لو عرفنا المستقبل أكثر مما كنا نعرف أنفسنا؟

وهل علينا إذن أن نقلق بشأن التاريخ الرقمي الذي نكتبه اليوم؟ ربما ولكن ليس لأن علينا أن نعيش خائفين من كل صورة أو منشور أو خطأ؛ فالإنسان ترك أثرًا منذ ظهوره، وهذه طبيعة وجوده، فالمشكلة ليست في أن نترك أثرًا، بل في أن نقضي حياتنا في صناعة أثر مزيف فهناك فرق بين تاريخ ناقص لأن الحياة لا يمكن تسجيلها كلها، وتاريخ مصطنع لأننا حاولنا أن نقدم للعالم نسخة مثالية من أنفسنا.

بالنسبة لي السؤال الأكثر قسوة قد لا يتعلق بنا كأفراد، بل بحضارتنا كلها، ماذا لو فتح إنسان بعد خمسمئة عام سجلات عصرنا، ولم يهتم بصورنا وعدد متابعينا، بل قرأ عن الحروب التي عرفنا أسبابها ولم نمنعها، وأزمة المناخ التي حذرنا منها ولم نقوم بما يلزم لحلها، والتقنيات التي عرفنا مخاطرها واستمررنا في استخدامها، والفقر الذي عرفنا طرق تخفيفه ولم نفعل بما يكفي؟، حينها قد يسألنا ببساطة: كيف عرفتم كل هذا ولم تغيروا شيئًا؟، ولا أعتقد بأن أحدًا يريد الإجابة على هذا السؤال.

المستقبل لن يسأل فقط ماذا عرفنا، بل ماذا فعلنا بما عرفناه، ولا أريد أن يجد إنسان بعد خمسمئة عام حضارة لم تخطئ، فهذا سيكون دليلًا على أن تاريخها مزيف، إنما أريده أن يجد حضارة أخطأت، لكنها اعترفت بأخطائها، وحاولت إصلاحها، وتعلمت منها، فالتاريخ الحقيقي ليس سجلًا للكمال، بل سجل للمحاولات والتعلم المستمر وتحقيق الأفضل يومًا بعد يوم.

بعد 500 عام قد تختفي هواتفنا ومنصاتنا، وقد تتحول خوادمنا إلى آثار تقنية غامضة، لكن شيئًا واحدًا قد يبقى: القرارات التي اتخذناها ونحن نعرف عواقبها، وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا سيقول عنا المستقبل؟، بل: هل نعيش اليوم بطريقة لا نخجل أن يقرأها المستقبل غدًا؟ والسؤال هنا للجميع للأفراد للجماعات لرجال الدين للحكومات،

ربما عندها عندما ينظر أثريو المستقبل إلى عصرنا، لن يسألوا: كيف كانت حياتهم؟ بل سيسألون السؤال الأكثر قسوة: "لقد كانوا يعرفون... فلماذا لم يتغيروا؟".

عليك الإجابة عزيزي القارئ وكل شخص عليه الإجابة لماذا لم نتغير؟!

الأكثر قراءة

z