ناصر أبوعون
قضى الشيخ الشاعر خالد بن مهنا البطاشيّ، قرابة عقد كامل (1984- 1995) من مسيرته الوظيفيّة قاضيًا بالمحكمة الشرعية في محافظة ظَفار، إلى أن خرج إلى التقاعد بعد 45 عامًا أمضها متنقِّلًا بين محاكم الولايات العُمانية. فلمّا قفل عائدًا إلى موطنه، كتب قصيدته الوداعية لهذه القطعة المباركة من أرض عُمان استعاد فيها ذكرياته التي عاشها بين قبائلها، وساح بين جنانها الفيحاء، واستطاب السكنى بين خضار منازلها، وارتاد سهولها وجبالها تحت رذاذ خريفها، واسترجع أيامه تحت ظلال أشجارها، واستروح العطر بين رياضها الغناء، وتأمّل في غدواته جنبات قصرها وآثارها، وآوى في روحاته بين منازلها العامرة واستلذ العلوم في مجالسها الوارفة.. في هذه القصيدة استملح شاعرنا (إعادة بناء "المكان/ ظَفار" في الذاكرة)، بغية تمتين أواصر القربى الوجدانية بينه وبين إنسانها، فبنى معمار قصيدته على أعمدة ثلاث كانت المتكأ؛ وهي:(الذاكرة، والمكان، والإنسان)، والتي شَكَّلَت جوهر خطابه الشعريّ فانتقل من واقعية تجربة الوداع إلى ذكرى شعرية ترسخت تاريخيًّا في المخيال العُماني.

معجم لُغويّ وستة حقول
إنّ اللجوء إلى الإحصاء في قراءة قصيدة (في وداع ظَفار) أُسلوبيًّا، ليس عملية تعداد جامدة للمفردات، بل محاولة لتسليط الضوء على (مركز الثقل الدِّلاليّ) في الـ48 شطرًا و220 وحدة لفظية. ومن ثَمَّ استطعنا أيضًا الكشف عن (مركز الثِّقل المعجمي) في خمس بؤر، هي: (المكان، الطبيعة، العطر، الإنسان، الوداع) تعاونت جميعها في إنتاج المعنى الكلي للقصيدة مقرونة بكثافة عالية من المفردات غير المتواترة، وهذا ينسجم مع طبيعة (القصيدة الوصفية)، وخاصة تلك، التي تعتمد التنويع في تسمية الأشياء والأماكن والصفات. وقد انتهى تحليلنا الإحصائي إلى رصد ستة حقول أسلوبية ودلاليّة كبرى، تدور في فلك الخطابه الشعريّ للقصيدة، نثبتها هنا على الترتيب من حيث عددها ومساحتها داخل متن القصيدة، على النحو التالي: [(أ) معجم المكان] وهذا الحقل يؤكد للقراء أنّ المكان/ ظَفار هو الشخصية المركزيّة في القصيدة، وأنّ مدينة صلالة عاصمة ظَفار تحوّلت إلى فضاء وجدانيّ وإنساني وثقافي. ومن أهم مفردات هذا الحقل: "صلالة، أرض الجنوب، رباك، الحافات، قلب صلالة، القصر، حديقة الشاطئ، منازلها، الخمائل، العوقدين، الروابي، القرى، أرض الجنوب، ظفار". ومن يُركِّز في عملية تواتر هذه المفردات سيتابع الشاعر خالد البطاشي في تحوّلاته من (المكان العام/ "أرض الجنوب" إلى المكان (الخاص/ "قلب صلالة"، ثم يتدرج من الكل إلى الجزء؛ وهذا الانتقال السلس أسهم في تحديد ملامح صلالة المكانية: "القصر"، "حديقة الشاطيء"، و"العوقدين"، و"الروابي والقرى"، وهذا التدرج من العام إلى الخاص ومن الجزء إلى الكل أضفى على القصيدة طابعًا حركيًّا، وكأن الشاعر فنانٌ تشكيليٌّ يرسم بقلمه خريطة وجدانيّة لظفار قبل مغادرتها قافلًا إلى مسقط. [ب- معجم الطبيعة] من خلال ألفاظ هذا المعجم سيكتشف القاريء أنّ الطبيعة ليست صورة تزيينيّة في خلفية القصيدة، بل وسيط بين المكان/ ظَفار والشاعر. وتمثَّلت ألفاظ هذا المعجم في "الخريف، الغمام، الروض، النسيم، الزهر، الشذى، الخمائل، الصبا، البدر، الطائر، الشمس، البرق". والملفت للنظر أنّ هذا المعجم ارتكز على لغة حِسيَّة تعددت مداركها، وتنوّعت صورها ما بين "الشذى=صورة شمّيّة"، و"الطائر=صورة سمعيّة"، و"البرق، الغمام= صورة بصريّة"، و"النسيم= صورة حركيّة". [ج- معجم العطر]، ومن خلال هذا المعجم يستحضر الشاعر صورة ظفار بعد مفارقتها، فقوله:"أرض الجنوب... مِسْكيّة النفحات تهدي العنبرا" ليس صورة وصفية فحسب، بل هويّة حِسِّية أيضًا. ولأن الروائح ترتبط بذاكرة الإنسان فإن تكرار الشاعر لكلمة العطر بلفظها ومترادفاتها لم يكن اعتباطيًّا، بل مقصود لذاته. [د- معجم المدح والقيم العُمانية]، وعبر هذا المعجم ينتقل الشاعر البطاشيّ من مدح ووصف الطبيعة الظفاريّة الغنّاء إلى مدح القيم العُمانيّة المتمثِّلة في شخصية المواطن العُمانيّ على أرض ظفار؛ للتأكيد على أنّ جمال ظفار لايتمثّل في الطبيعة فقط، بل في مواطنيها؛ وذلك لتأسيس ما يسمى بـ(التلازم الدلاليّ) بين المكان/ وأهله، وأن جمال ظفار مقتبسٌ من الطبيعة والقيم الإنسلانية للمواطن العُمانيّ معًا في قوله: "وتميزت بأكارم سكنوا بها"، وقوله: "فهم بمربعها مصابيح الورى"؛ فإن كانت القصيدة من مطلعها إلى منتهاها تبدو وكأنها قصيدة في مدح محافظة ظفار في ثمانينيات ومنتصف التسعينيات من القرن العشرين؛ إلا أنها ارتكزت على وصف الإنسان بقيمه وأصالته وتراثه وتاريخه العريق. ومن أهم مفردات هذا المعجم: (المحاسن، الحسن، البهجة، تميزت، أكارم، مصابيح، الندى، الهدى، العلوم، البيان، النفائس، الدرر، الجوهر، المفاخِر). [هـ -المعجم الوجداني] وسنلاحظ أيضًا أنّ القصيدة بدأت من المكان الخارجي ثم تدرجت نحو الداخل باتجاه الذاكرة والقلب، وهذا المعجم يتكثف أكثر وأكثر كلما اقتربت القصيدة من نهايتها، في عملية التدرج البنائيّ بدايةً من (وصف المكان، ثم مدح الإنسان، ثم استحضار الصُّحبة، ثم إعلان الوداع، ثم تخليد الذكرى، ثم الدعاء، ثم الصلاة على النبيّ محمد – صلى الله عليه وسلّم). ومن أهم ألفاظ هذا المعجم: "تحية، الود، صاحب، أيام، الوداع، السلام، هواهم، خاطري، أنساك، فؤادي، صحبة، يجمع شملنا". [و- المعجم الدينيّ] وفيه انتقلت القصيدة من التجربة الشخصية إلى آفاق روحية رحبة. فلم يكتف شاعرنا البطاشي باختتام قصيدته بالحنين، بل قفلها بتقليد عام في الشعر الإسلاميّ القديم بالصلاة على النبي-ﷺ- وهذا الإغلاق أدَّى وظيفة فنيّة ذات ثلاثة أبعاد: (دلالية وإيقاعية وأخلاقية). ومن أهم ألفاظه: (الله، لطفه، الصلاة، النبي، محمد، الآل، الصحب).

ثمانية أساليب مُتسيِّدة
وفي محاولة لاستقصاء الأساليب التي يقوم عليها البناء المعماري لهذه القصيدة عثرنا على سبعة أساليب، هي: [أ-الأسلوب الشِّعريّ] ويهيمن على المساحة الأكبر ممزوجًا بالوصف والسّرد، وقد تجلّى في "حضور الذات الشاعرة، والانزياح الدلاليّ، والتوازي التركيبيّ، والمجاز، والنداء والخطاب، والتشبيه والموسيقى الخارجية، والقافية الموحدة، وكثافة الصفات، والصور البلاغية". [ب- الأسلوب الوصفي] وقد طبع القصيدة بسمات وصفية وجدانية ذات بنية خطابية؛ وصف الشاعر من خلالها:"خريف صلالة، وقصر الحكم، والطبيعة الظفارية، والحدائق، والخمائل، ومنازل المواطنين، ومجالس رجال العلم". [ج- الأسلوب السرديّ]، وإن كان قليلًا، في القصيدة إلا أنه أضفى عليها حركة افتراضية من خلال "الوصول، ثم الانعراج، ثم الزيارة، ثم اللقاء، ثم المجلس". وتوظيف السرد هنا جيء به لخدمة المدح، وظهر في قوله: "وإذا وصلت العوقدين معرجًا غربية فزر الخطيب الأفخرا". [هـ - الأسلوب الحواريّ] فإن كانت لا توجد شخصيات تتحاور داخل القصيدة، إلا أنّ الخطاب الإنشائي المباشر من الشاعر إلى القراء كان أقرب إلى المشافهة التي تشبه المحاورة في قوله:"عَرِّجْ- فَزُرِ- حَيِّهِمْ". [و- أسلوب المنولوج] ويمكن التماسه من حديث الذات الشاعرة عن تجربتها الداخلية، وهو منولوج ليس خالصًا؛ لأن الذات تنتقل باستمرار من الحديث عن نفسها إلى مخاطبة المكان وأهله والمتلقي كما في قول الشاعر: "حَيَّيْتُهَا لَمَّا عَجِبْتُ بِحُسْنِهَاَ/ هذَا الوَدَاعُ لِمَنْ هَوَاهُمْ خَاطِرِي/ أَظْفَارُ لَا أَنْسَاكِ/ وَكَتَبْتُ ذِكْرَكِ فِي فُؤَادِي". [ز- الأسلوب الحُرّ غير المباشر] موجود وإن كان ليس بالمعنى الاصطلاحي؛ لأن القصيدة لا تدخل في وعي شخصيات متعددة ولا تنقل للقاريء فكرتها بصورة حرة غير مباشرة. [ح- أسلوب التهجين]، وهو محدود ويكتفي بالمرجعية الثقافية؛ فالقصيدة كلاسيكية تمزج بين (المكان المحلي/ ظَفار والموروث العربي الكلاسيكي، والعجم الديني والإحالات التراثية مثل: "غمدان، والأبلة، والمفردات الجغرافية المحلية".
سِت صور بلاغيّة
بالرصد الإحصائي أيضًا وجدنا قصيدة الشاعر القاضي خالد البطاشي (في وداع ظفار) تتعاون فيها ستة صور بلاغية رئيسة لإنتاج المعنى؛ وهي: (المشابهة)، و(المجاورة)، و(الرؤيا) و(العلامة)، و(التآلف) و(الاختلاف)؛ فأمّا (المشابهة) نجدها في قوله: "القصر المنيف كأنه غمدان"، وهذا تشبيه صريح استدعى ذهنيا الطراز المعماري لقصر غمدان في اليمن السعيد. وأمّا (المجاورة) نجدها في تجاور صور الطبيعة "النسيم+ الزهر+ الشذى+ المنازل" وتعاونها في بناء صورة كلية في قوله:"نشر النسيم على منازلها الشذى من زهرها". وأمّا (الرؤيا) فقد ظهرت في بناء مشاهد مرئية تصوّر لنا مدينة صلالة أشبه بـ(البانورما البصريّة)، وذلك في قوله: "أرض زهت شرقا وفاقت بهجة، وتميزت حسنا وزانت منظرا". وأمّا(العلامة)؛ فـ{الخريف= علامة ثقافية وجمالية}، و{العنبر، المسك، الشذى = علامات على الطِّيب، و{الذرى، المصابيح، الجوهر= علامات على الرفعة والقيمة}. وأمّا (التآلف) فنشأت من تعاون بعض العناصر في سبيل تكوين صورة جمالية واحدة، فمن تعاون {الغمام+الروض+العطر} ظهرت لنا صورة بديعة في قول الشاعر:"روضًا تخلله الغمام معطرًا". أمّا صورة (الاختلاف) فقد ظهرت في انتقال الشاعر من وصف طبيعة ظفار إلى وصف قيم المواطن الظَّفاري، وفي الانتقال من الحضور إلى الغياب، ومن الإقامة بين أهلها إلى الرحيل عنها، ومن الماضي إلى الأمل في العودة إلى ظفار وملاقاة أهلها.
الوصف عمودٌ فِقَرِيّ
فإذا ما فحصنا العمود الفقري لِبِنية القصيدة والأغراض الشعريّة المنبثقة منه وجدناه ينبني على (مثلث من الوصف)؛ فضلعه الأول: (وصفٌ للطبيعة الظَّفاريّة) بدأها الشاعر بـ"الخريف الممطرا"، ثم "روضا تخلله الغمام"، ثم "مسكية النفحات"، ثم "نشر النسيم.. الذى"؛ وهو وصفٌ حسيٌّ ذو أربعة أبعاد؛ فالبعد الأوّل (وصفٌ بصريّ) تجلّى في:"المناظر، الأنوار، النجوم، الشمس، البرق"، والبعد الثاني (وصفٌ شَمِّيّ) من:"المسك، العنبر، الشذى"، والبعد الثالث (وصف حركيّ): في "نشر النسيم، تخلل الغمام"، والبعد الرابع (وصفُ سمعيّ) في: "ترنّم طائر". وأمّا ضلعه الثاني؛ فكان (وصفٌ معماريّ وعمرانيّ) ارتكز فيه الشاعر على القيم الجمالية والرمزية لا الهندسيّة، وظهر في مفردات:"القصر، حديقة الشاطيء، المنازل، الخمائل، العوقدين"، وأمّا ضلعه الثالث، فـ(وصف إنسانيّ) تأكيدًا على أنّ المواطن العُماني في ظَفار علامة حضاريّة مسجّلة في قوله:"وتميزت بأكارم سكنوا بها"، ثم "فهم بمربعها مصابيح الورى"، ثم يصف الشاعر صاحب المجلس العلمي الذي كان يؤمّه في ظفار ويداوم على لقاء أصدقائه الظَّفاريين فيه، بقوله:"يوليك من غرر العلوم نفائسًا/ ويريك من درر البيان الجوهرَا".
وفي الأخير.. يمكننا القول إن قصيدة (في وداع ظَفار) للشاعر الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشيّ، ارتكزت بِنيتها التركيبية على خمس وحدات كبرى؛ هي: (أ- وحدة المُفْتتح) وكانت غايتها نقل صورة ذهنية عن الطبيعة الجمالية لمدينة صلالة في ظَفار. وجمع المُفتتح بين الوصف والتحية من بداية قوله: "حي صلالة والخريف الممطر"إلى قوله:"أضحت لمنطقة الجنوب المنبرا". (ب- وحدة السياحة في ظَفار) انتقل من خلالها من الطبيعة إلى العمران ثم ثقافة أهل ظفار، بدءًا من قوله: "عرّج على الحافات قلب صلالة" إلى قوله: "ويريك من درر البيان الجوهرَا" (ج- وحدة صُّحبته لأهل ظَفار) واستطاع الشاعر عبرها تحويل علاقته بظَفار إلى علاقة إنسانية، بدايةً من قوله:"ويؤم مجلسه الأكارم" إلى قوله: "هذا السلام على الروابي والقرى". (د- وحدة الذاكرة والأمل) وهدف الشاعر من خلالها تثبيت أثر ظفار في ذاكرة القاريء والمتلقي، بدايةً من قوله: "حيّهم بتحية ودية" إلى قوله: "ويعود ذابل كل عود أخضرا". (هـ - وحدة الخَاتِمة الدِّينيّة) بُغية إغلاق القصيدة بتقليد كلاسيكي شائع في العصور الأدبية التي تلت ظهور الإسلام، وهو تقليد تفاؤليّ استبشارًا بالصلاة على النبي محمد – ﷺ – بدايةً من قوله: "وإليكم أهدي السلام" إلى نهاية القصيدة.
