الفراغ المعرفي ووهم التفوّق

 

 

عيسى الغساني

تُشكّل المعرفة، أو ما يُطلق عليه "رأس المال الثقافي"، الأساس للنمو والتطور لبناء الفرد والمجتمع والدولة؛ فبالمعرفة يرتقي الإنسان وتُصان كرامته وتتحقق كل مقومات الحياة الكريمة لكل إنسان. وبدون المعرفة نتخبط في بناء أفكار مشوهة وقيم مختلة وصراعات ليس لها من سبب سوى نقص المعرفة، أو بمفردات أخرى "الفراغ المعرفي" الذي يُعد تجسيدًا للعجز.

وَيُعرَّف رأس المال الثقافي بأنه مجموعة المعارف والمهارات والمؤهلات العلمية والمقدرة اللغوية التي يمتلكها الفرد، ويساهم من خلالها في الإنتاج المعرفي والعلمي والأدبي بمختلف أنواعه.

تُعد أطروحة ربط الكراهية المطلقة واستبعاد الآخر بـ "الفراغ المعرفي" و"العجز عن إنتاج قيمة إنسانية" تشخيصًا دقيقًا يُسنده رصيد واسع من الدراسات النفسية والاجتماعية. فالكره الشديد والاستبعاد يندر أن يكونا مجرد موقف فكري عابر، بل هما آلية دفاعية ونفسية تعويضية تلجأ إليها الذات التي تعاني من الهشاشة الفكرية لتغطية العجز الذاتي عبر ممارسة واختلاق تميُّز وهمي وتخيلي.

وتصنف مدارس علم النفس الكرهَ الموجَّه للآخر دون سبب موضوعي كنموذج للتعويض المفرط. ويرى "ألفرد أدلر" أن العجز عن تحقيق إنجاز حقيقي يدفع الفرد لابتكار عقدة تفوق وهمية، وهي أسرع وسيلة تشعر الفرد بأنه أعلى شأنًا وقدرًا، وهذا الوهم يقود الفرد إلى التقليل والكره للآخرين دون سبب أو موقف. واصطلاحيًا، يُطلق على هذه الحالة "الهشاشة النرجسية" والتمرد الرمزي، وأساسها حالة تخيلية بوهم الاستحقاق الخارجي. ويرى "ثيودور أدورنو" أن وهن الإمكانيات المعرفية يرتبط طرديًا بالتمسك بآراء حدية وثنائية (إما معي أو ضدي)، وسمة ذلك تجنب الفهم والنقد الذاتي.

أما التأصيل لهذه الظاهرة فيمر بمراحل؛ وهي: الفراغ المعرفي والعجز الاجتماعي، ثم الشعور بالنقص والتهديد الوجودي، وبعد ذلك تتشكل حالة الوهم بالأهمية، وتأتي حالة التخيل والاستحقاق كآخر مرحلة. ورأس المال الثقافي الذي تحدث عنه عالم الاجتماع "بيير بورديو" (وهو التعليم والإبداع والتأثير الإيجابي) يُهمّش أو يُلغى ويقل الحديث عنه في المجتمعات التي تعاني من ظاهرة الوهم التفوقي والخيال المعطل لنموه. وبالتالي تطفو ظاهرة الهوية الاجتماعية حيث يستمد الفرد قيمته وتقديره لذاته من الجماعة التي ينتمي إليها، وهذه حالة العجز المعرفي؛ إذ ليس لدى الفرد القدرة ولا المكنة ليقدم رأس مال معرفي، فيحصل الفرد وهمًا وتخيلًا على قيمة واهمة مجانية تدفعه للكره والإقصاء والإضرار ببنية التماسك الاجتماعي.

وتتجلى خطورة هذه الشخصية المعتلة عند قدرتها على التأثير من مركز وظيفي أو مالي؛ حيث تُجَيّر المنظومة لمصالح ضيقة فئوية لا تخدم سوى من يعتقد أنه يستحق وهمًا. ولعل الهستيريا اللغوية، سواء في النثر أو الأدب أو الشعر، تعد مظهرًا سلوكيًا تكشفه المفردات المستخدمة التي تتسم بالفوقية.

ولعل المسار المنطقي يتمثل في نقل الفرد لذاته من المقارنة إلى الإنجاز، وتفكيك التفكير المغلق السوداوي بين الشيء ونقيضه، وتدريب الذات على النقد والاعتراف بالنقص كطبيعة بشرية والسعي لتطوير الذات. والأهم الإدراك بأن الحقيقة ليست مطلقة وإنما متعددة، وردم الخلل المعرفي بإحلال المعرفة العلمية محل الخرافات والتخيلات.

الأكثر قراءة

z