فريق وطني لتحسين أداء سلطنة عُمان في المؤشر.. وأولويات ومبادرات واعدة

"التعقيد الاقتصادي".. مؤشر نوعي لقياس مدى تطور القدرات الإنتاجية والمعرفية

◄ اقتران زيادة الإنتاج بتطوير المعرفة والمهارات والتقنيات يدعم النمو

◄ 70% من الناتج المحلي الإجمالي لعُمان يرتكز على أنشطة غير نفطية

◄ ضرورة تحويل تنويع هيكل الإنتاج إلى أنشطة قادرة على التصدير

◄ نمو الصادرات غير النفطية 10.3% إلى 5 مليارات ريال عُماني

◄ تعزيز التعقيد الاقتصادي يتطلب تطوير طبيعة المنتجات

◄ أهمية تعزيز الصناعات المرتبطة بسلاسل القيمة العالمية

◄ المناطق الاقتصادية الخاصة قادرة على الإسهام في تعزيز "التعقيد الاقتصادي"

 

الرؤية- سارة العبرية

يُمثل التعقيد الاقتصادي أحد المؤشرات المهمة لقياس مدى تطور القدرات الإنتاجية والمعرفية للدول؛ إذ يتجاوز تقييم حجم الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات النمو إلى دراسة طبيعة المنتجات والخدمات التي يستطيع الاقتصاد إنتاجها وتصديرها، ومستوى المعرفة والتكنولوجيا والمهارات اللازمة لتطويرها، ويعكس هذا المفهوم قدرة الدول على الانتقال من الأنشطة الاقتصادية التقليدية إلى صناعات أكثر تطورًا وتنوعًا، بما يعزز الإنتاجية والقدرة التنافسية ويفتح المجال أمام خلق فرص اقتصادية مستدامة.

والأسبوع الماضي، ناقش الفريق الوطني لمشروع تحسين أداء سلطنة عُمان في مؤشر التعقيد الاقتصادي خلال اجتماعه الأول هذا العام برئاسة سعادة الدكتور ناصر بن راشد المعولي، وكيل وزارة الاقتصاد ورئيس الفريق، بحضور ممثلي الجهات الحكومية، مفهوم التعقيد الاقتصادي وأهميته في قياس مدى تنوع وتطور القدرات الإنتاجية والمعرفية للاقتصاد، ودوره في دعم التحول نحو الأنشطة والقطاعات الاقتصادية ذات القيمة المضافة العالية. واستعرض الاجتماع الخطة السنوية والخطة التشغيلية لأعماله، والأولويات والمبادرات المقترحة لتحسين أداء سلطنة عُمان في المؤشر خلال المرحلة المقبلة، وذلك في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز التنويع الاقتصادي، وتطوير منظومة تنافسية الاقتصاد الوطني، وتحسين أداء سلطنة عُمان في المؤشرات الدولية ذات الصلة.

مسارات التنويع

ويكتسب التعقيد الاقتصادي أهمية خاصة في مسار التنويع الاقتصادي بسلطنة عُمان، في ظل التوجه نحو تعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية وتطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040"؛ حيث إن زيادة عدد المنتجات المصدرة لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى التعقيد الاقتصادي، ما لم تقترن بتطوير المعرفة والمهارات والتقنيات اللازمة لإنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة أعلى.

مؤشرات الاقتصاد العُماني

وتُشير بيانات صندوق النقد الدولي الواردة في تقرير "ما بعد النفط.. تعزيز تنويع الصادرات لتحقيق النمو المستدام" لعام 2026، إلى أن الأنشطة غير النفطية أصبحت تمثل قرابة 70% من الناتج المحلي الإجمالي العُماني، مقارنة بنحو 55% في عام 2005. ويعكس ذلك تقدمًا في تنويع هيكل الإنتاج، إلا أن التقرير يوضح استمرار تركز جزء كبير من الأنشطة غير النفطية في القطاعات غير القابلة للتجارة الدولية، ما يحد من قدرة الاقتصاد على بناء قاعدة تصديرية أكثر تنوعًا.

ووفقًا للتقرير ذاته، أسهمت قطاعات الإنشاءات والإدارة العامة والتعليم والرعاية الصحية مجتمعة بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي غير الهيدروكربوني في عام 2024، في حين بلغت مساهمة قطاع الصناعات التحويلية نحو 8%. وتبرز هذه الأرقام أهمية توجيه جهود التنويع نحو توسيع الأنشطة الإنتاجية القابلة للتصدير، خصوصًا الصناعات التحويلية المتقدمة والقطاعات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا.

وعلى مستوى الأداء الاقتصادي، سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسلطنة عُمان نموًا بنسبة 2.4% خلال عام 2025، مدعومًا بنمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 3.11%، بحسب النشرة الاقتصادية الصادرة -عن وزارة الاقتصاد- في مارس 2026. كما سجلت الأنشطة الزراعية والسمكية نموًا بلغ 10.16%، والصناعات 2.35%، والخدمات 3.06%.

مؤشر التعقيد الاقتصادي

ويقيس مؤشر التعقيد الاقتصادي (Economic Complexity Index – ECI) تنوع المنتجات التي تنتجها الدولة ومستوى تطورها؛ باعتبارهما مؤشرين على القدرات الإنتاجية والمعرفة المتراكمة داخل الاقتصاد. وكلما تمكنت الدولة من إنتاج سلع أكثر تعقيدًا، تتطلب مهارات وتقنيات وشبكات إنتاج متقدمة، زادت فرصها في توسيع قاعدة صادراتها والارتقاء بمستوى الإنتاجية.

ويوضح صندوق النقد الدولي أن مستوى التعقيد الاقتصادي في سلطنة عُمان ظل منخفضًا نسبيًا خلال العقود الأربعة الماضية، مع استمرار تركّز الصادرات في المنتجات المرتبطة بالهيدروكربونات. كما يشير إلى أن توسيع إنتاج السلع الأكثر تعقيدًا يمكن أن يدعم التعلم الإنتاجي، ويرفع جودة الوظائف، ويعزز إنتاجية رأس المال والعمل.

وفي تقرير لصندوق النقد الدولي حول عُمان لعام 2024، أُشير إلى أن قيمة مؤشر التعقيد الاقتصادي بلغت -0.17 في التحليل الوارد بالتقرير، مع تحديد عدد من المجالات التي يمكن أن تحقق مكاسب في التعقيد والإنتاجية، من بينها المركبات والأدوية والآلات والزراعة والصناعات التحويلية. وتُظهر هذه المجالات أهمية الاستثمار في تطوير القدرات اللازمة للانتقال إلى مراحل أعلى من سلاسل القيمة.

وشهدت الصادرات غير النفطية العُمانية نموًا خلال عام 2025؛ إذ بلغت قيمتها نحو 5.002 مليار ريال عُماني بنهاية سبتمبر 2025، بزيادة 10.3% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وفق بيانات وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار. وشملت أبرز القطاعات المُصدِّرة: المعادن الأساسية ومصنوعاتها، بقيمة تجاوزت مليار ريال عُماني، والمنتجات الكيميائية بنحو 658 مليون ريال، والآلات والمعدات الكهربائية بنحو 460 مليون ريال.

وتوضح هذه البيانات وجود قاعدة إنتاجية وتصديرية تتجاوز صادرات النفط الخام، غير أن تعزيز التعقيد الاقتصادي يتطلب تطوير طبيعة المنتجات نفسها، وليس الاكتفاء بزيادة حجم الصادرات. ويشمل ذلك توسيع تصنيع المنتجات المتقدمة، وزيادة المحتوى المعرفي والتقني، وتحسين القدرة على إنتاج مكونات تدخل في سلاسل الإمداد العالمية، بدلًا من الاقتصار على تصدير المواد الأولية أو المنتجات ذات المراحل التصنيعية المحدودة.

وفي الربع الأول من عام 2026، بلغت قيمة الصادرات غير النفطية العُمانية 1.611 مليار ريال عُماني، بحسب وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، فيما سجلت صادرات الصناعات الكيميائية نموًا بنسبة 17%، لتصل إلى 216 مليون ريال عُماني. وتوفر هذه المؤشرات أساسًا لتقييم تطور أداء القطاعات التصديرية، مع أهمية دراسة مدى ارتفاع القيمة المضافة والتقنيات المستخدمة في المنتجات المصدرة.

ويرتبط رفع مستوى التعقيد الاقتصادي بقدرة القطاع الصناعي على إنتاج سلع تتطلب مستويات أعلى من المعرفة الهندسية والبحث والتطوير والمهارات المتخصصة. وفي هذا السياق، يوضح صندوق النقد الدولي أن قطاع التصنيع في سلطنة عُمان يتركز بدرجة كبيرة في الصناعات المرتبطة بالنفط والمعادن؛ حيث تمثل المنتجات النفطية المكررة والكيماويات والمعادن نحو 60% من الإنتاج الصناعي التحويلي، بينما لا تزال مساهمة الآلات والمعدات الأكثر تعقيدًا محدودة.

ويُشير هذا الواقع إلى أهمية تعزيز الصناعات التي ترتبط بسلاسل القيمة العالمية، من خلال دعم البحث والتطوير، ورفع كفاءة المؤسسات الصناعية، وتوطين التقنيات، وتطوير الكفاءات الوطنية في المجالات الهندسية والرقمية؛ فالتصنيع المُتقدِّم يمكن أن يسهم في زيادة القيمة المضافة للمنتج المحلي، ورفع الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل، فضلًا عن دعم قدرة الشركات على المنافسة في الأسواق الخارجية. كما أن الانتقال إلى قطاعات ذات قيمة مضافة عالية يتطلب تكاملًا بين التعليم والتدريب والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية، بما يضمن توفير المهارات التي تحتاج إليها الصناعات المستقبلية. ويعني ذلك أن التعقيد الاقتصادي لا يرتبط بالمصانع والتكنولوجيا وحدها، بل يتصل أيضًا بقدرة منظومة الاقتصاد على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق محليًا ودوليًا.

تعزيز القدرات الإنتاجية

تُعد الاستثمارات المحلية والأجنبية في القطاعات الإنتاجية المتقدمة من الأدوات التي يمكن أن تسهم في تحسين التعقيد الاقتصادي، خصوصًا عندما ترتبط بنقل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير الموردين المحليين. ويبرز دور المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة في توفير بيئة تساعد على جذب الصناعات التصديرية وربط الشركات المحلية بسلاسل الإنتاج الدولية.

وفي هذا الإطار، يؤكد صندوق النقد الدولي أهمية المناطق الاقتصادية الخاصة في دعم اندماج عُمان في سلاسل القيمة العالمية، وتوسيع القطاعات غير الهيدروكربونية القابلة للتجارة. إلا أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب رفع مستوى المشاركة المحلية في مراحل الإنتاج ذات القيمة المضافة الأعلى، بما يتجاوز الأنشطة المرتبطة بالتجميع أو المعالجة الأولية.

ويُعد الابتكار أحد المكونات الأساسية لهذا التحول، من خلال تطوير حلول تقنية في مجالات التصنيع والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والزراعة الذكية والتقنيات الرقمية. ويساعد توجيه الإنفاق على البحث والتطوير إلى القطاعات ذات الإمكانات التصديرية على بناء قدرات إنتاجية يمكن توسيعها وتكرارها في صناعات جديدة، ما يعزز تنوع الاقتصاد على المدى الطويل.

ويشكّل التعقيد الاقتصادي إطارًا تحليليًا يمكن الاستفادة منه في متابعة نتائج برامج التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان، من خلال رصد التغيرات في طبيعة المنتجات والخدمات، وتطور القدرات التقنية، ومدى توسع الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة. ولا يقتصر تقييم نجاح التنويع على ارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي، وإنما يشمل كذلك قدرة هذه الأنشطة على التصدير والمنافسة وتوليد المعرفة والوظائف ذات الإنتاجية الأعلى.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z