◄ صناعة المحتوى الرقمي العربي: التحديات والفرص
عبيدلي العبيدلي **
6. تصدير الخدمات الإبداعية لا المنتجات فقط
يمكن للدول العربية أن تصدر المونتاج، والمؤثرات البصرية، والتحريك، وتصميم الألعاب، والترجمة، وإدارة المجتمعات، والتسويق، وتحليل البيانات. وتكشف بنية تجارة الخدمات الإبداعية عالميًا أن البرمجيات والبحث والإعلان تخلق حصة كبيرة من القيمة. لذلك تستطيع الدول ذات المواهب التقنية مثل الأردن وتونس ومصر والمغرب بناء مراكز خدمات إبداعية عابرة للحدود، حتى قبل امتلاك منصات جماهيرية ضخمة.
7. النساء والشباب كمحرك نمو لا فئة مستفيدة فقط
تحتاج MENA إلى وظائف جديدة؛ ويشير البنك الدولي إلى أن مئات الملايين من الشباب سيدخلون سوق العمل خلال العقود المقبلة، مع استمرار بطالة الشباب وضعف مشاركة النساء. وصناعة المحتوى مناسبة نسبيًا للعمل المرن، والعمل عن بعد، والمشروعات الصغيرة، والاقتصاد التصديري للخدمات. لكن تحويل الإمكان إلى وظائف يتطلب مسارات مهنية واضحة، وعقودًا وحماية وتمويلًا وتدريبًا في الإدارة والبيع والحقوق.
8. التخصص القطري بدل تقليد نموذج واحد
لا تحتاج كل دولة إلى أن تصبح "هوليوود عربية". يمكن للبحرين أن تتخصص في المحتوى ثنائي اللغة والخدمات الإبداعية للشركات الخليجية والتقنية المالية للمبدعين؛ والسعودية في الألعاب والترفيه الكبير؛ والإمارات في التوزيع والمناطق الإبداعية والملكية الفكرية العابرة للحدود؛ وقطر في الإعلام والبودكاست والرياضة والمحتوى التقني؛ ومصر في الإنتاج واسع النطاق والدراما والموسيقى؛ والأردن في الألعاب والخدمات الرقمية؛ والمغرب في السينما والتصوير والموسيقى والربط بأوروبا وأفريقيا؛ وتونس في الخدمات الإبداعية والتقنية والعمل الحر.
وتوجد مؤشرات سياسات تدعم هذا الاتجاه. تستهدف الإمارات رفع مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2031 ومضاعفة عدد المنشآت في القطاع. وتدرج رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية الصناعات الإبداعية ضمن "الخدمات المستقبلية" وتستهدف تعبئة استثمارات واسعة بقيادة القطاع الخاص. وفي قطر تركز الشراكات الحكومية مع منصات وتقنيات دولية على بناء أستوديوهات، وأكاديميات رقمية، ومركز بودكاست، وتعزيز اقتصاد المبدعين. وفي البحرين أطلقت وزارة الصناعة والتجارة الاستراتيجية الوطنية للابتكار 2025-2035 بهدف التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والإبداع، بينما تؤكد استراتيجية هيئة الثقافة دعم الترفيه الرقمي وثقافة الإنترنت والألعاب.
قراءة قطرية مقارنة. ما الذي تكشفه الأرقام والسياسات؟
يعرض الجدول الآتي مؤشرين قابلين للمقارنة نسبيًا: استخدام الإنترنت في 2024، وترتيب مؤشر الابتكار العالمي 2025، إلى جانب توجه سياساتي نوعي. لا يُفهم ترتيب الابتكار بوصفه ترتيبًا لصناعة المحتوى، بل بوصفه مؤشرًا على البيئة المؤسسية والابتكارية التي تعمل فيها الشركات.
1. البحرين: فرصة «السوق المختبر»
تجمع البحرين بين اتصال رقمي شبه شامل، وسوق صغيرة تسمح باختبار المنتجات بسرعة، وقطاع مالي وتقني متطور نسبيًا، وقرب من السوق السعودية. لكن المبادرات المرتبطة بالمحتوى موزعة بين الثقافة والإعلام والابتكار والاقتصاد الرقمي، ولا توجد بالوضوح نفسه الموجود في الألعاب السعودية أو الاستراتيجية الإماراتية استراتيجية وطنية منفصلة لصناعة المحتوى. لذا تصلح البحرين لتجربة "حساب فرعي" للقطاع ومرصد وطني سريع التنفيذ، وربط نتائجه بحوافز للشركات الصغيرة والتصدير.
2. السعودية: وفرة رأس المال واختبار القيمة المحلية
تملك السعودية حجم السوق والاستثمار والفعاليات القادر على تغيير ميزان الصناعة، لكن النجاح لا ينبغي أن يُقاس بالصفقات وحدها؛ بل بنسبة الوظائف المتخصصة المحلية، وعدد الأستوديوهات القادرة على التصدير، وحجم الملكية الفكرية المملوكة محليًا، ونسبة المشتريات من سلاسل الإنتاج السعودية. هذا هو الفارق بين استيراد صناعة وبناء صناعة.
3. الإمارات وقطر: مراكز إقليمية للتوزيع والخدمات
تملك الإمارات مزايا المناطق الحرة والمقرات الإقليمية والبنية التنظيمية والتمويل، ويؤكد ملفها في مؤشر الابتكار العالمي تقدمها في المؤسسات واستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات [87]. أما قطر فتدفع نحو شراكات في الإعلام والبودكاست والمنصات وبناء القدرات في صناعة المحتوى بالتعاون مع شركات عالمية [88][89]. والتحدي في الحالتين هو قياس مقدار القيمة المحلية: الحقوق المطورة، والشركات المحلية في سلسلة التوريد، والمحتوى الأصلي المباع خارجيًا، وتحول التدريب إلى وظائف وشركات.
4. مصر والمغرب والأردن وتونس: المواهب في مواجهة فجوة التمويل
تملك هذه الدول مزايا في الكلفة والمواهب والأسواق أو القرب من أسواق خارجية، لكن تمويل النمو يظل قيدًا رئيسًا. ويقدم المغرب أوضح شاهد رقمي: أكثر من 116 ألف وظيفة ونحو 9,500 شركة في الصناعات الثقافية والإبداعية، مقابل أقل من 0.5% من ائتمان الأعمال في 2021 ونحو 3% فقط من الشركات التي وصلت إلى التمويل الرسمي [90]. ويضع الأردن الصناعات الإبداعية ضمن «الخدمات المستقبلية» مع مبادرات لدعم مشاركة النساء [91][92]، بينما تعمل تونس على تنظيم المستقلين [93]، وتجمع مصر بين سوق ضخمة وبرامج للتحول الرقمي الثقافي وتمكين المبادرات الفنية [94][95]. وفي هذه الحالات قد تكون ضمانات القروض والتمويل القائم على العقود وطلبات الشراء أكثر فاعلية من منح إنتاج صغيرة متفرقة.
** خبير إعلامي

