رحمة البحيري .. القصة رقم 9

 

حسين الراوي

بعد عودتي من صلالة، لم أعد بذكريات الطريق وحدها، بل بعددٍ من الكتب التي أهداني إيّاها أصدقاء وزملاء من الوسط الأدبي. حتى إنني اضطررت في مطار صلالة إلى جمعها في صندوق كرتوني وشحنها إلى الكويت مع أمتعتي، وقد تجاوز وزنها ستة كيلوغرامات، دفعت مقابلها مبلغًا لا يقل عن نصف قيمتها تقريبًا، ومع ذلك كنت مسرورًا؛ لأنني أعود إلى بلادي محمّلًا بقائمة جديدة من القراءات المؤجلة.
لكن، وبحكم معايير خاصة لا أتنازل عنها، لا أستطيع قراءة كل كتاب من الغلاف إلى الغلاف، ولا الكتابة عن كل ما يُهدى إليّ، مهما كانت مكانة أصحابه.
ومن بين تلك الكتب، لفتني كتاب «لسوادي حلاوة»، طباعة ونشر دار "بورصة الكتب"، للكاتبة التونسية القيروانية رحمة البحيري، وهو مجموعة قصصية تضم تسع قصص: القناص، الحمّام، لسوادي حلاوة، قرية السوالِم، حورية الكلاتوس، مرشي الهجاجل، علي ولد الحوّات، شجرة البول العملاقة، وأخيرًا «العربية وسيعة».
رحمة البحيري ليست اسمًا عابرًا في هذا السياق؛ فقد تُوّجت بالمركز الثالث في جائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2022 عن نصها المسرحي «هيومانيا»، وهو ما يمنح تجربتها ثقلًا واضحًا، إلى جانب خبرتها في التعامل مع نصوص عدد من المثقفين تحريرًا وإعدادًا ونشرًا.
أما القصة الأخيرة في الكتاب «العربية وسيعة» (ص 145–159)، فهي نص متعب كتابةً وقراءةً في آنٍ واحد!
نص مشحون بعواصف شعورية متداخلة، تتجاوز السرد التقليدي إلى حالة من التداعي النفسي الحاد.
ليست الصور فيها ترفًا بلاغيًا، بل ضرورة تعبيرية: شمعة تبكي، طيف يتبدل، شاي يتحوّل إلى مرآة، وريشة تُنبت أجنحة. كل ذلك ليس للزينة، بل لأن اللغة العادية تعجز عن حمل هذا الثقل الداخلي.
لهذا يشعر القارئ أنه لا يقرأ فقط، بل يُصغي إلى أنفاس البطلة، منذ «لهيب وآه!» حتى لحظة التحليق الأخيرة. إنها قصة تُكتب على حافة الانفعال، وتُقرأ على الحافة ذاتها، حيث تختلط اللغة بالحيرة، والحب بالخذلان، والمعنى باتساعٍ قد يكون، أحيانًا، أكثر مما ينبغي.
القصة ليست مجرد حكاية وسرد وأحداث، لا أبدًا، بل فيها فلسفة، وصراع، وقضية، ولغة، ورمزية، ورغبات، وخذلان.
في النهاية، تترك «العربية وسيعة» أثرًا لا يُشبه أثر القصص المعتادة. لا تمنحك ختامًا مطمئنًا، ولا تتركك على شاطئ المعنى الهادئ، بل تُبقيك معلقًا بين جناحي البطلة وريشتها الكريستالية، تتساءل إن كانت قد حلّقت فعلًا، أم أنها ما زالت تكتب وهي تحترق. وهذا، في تقديري، هو أجمل ما يمكن أن تفعله قصة قصيرة: أن ترفض أن تنتهي داخل صفحاتها، وتواصل التنفّس في داخلك بعد أن تغلق الكتاب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z