ريتّا دار
أشعر أحيانًا أن جيلي لا يحتاج إلى شهادة ميلاد بقدر ما يحتاج إلى شهادة أثرية تثبت أنه عاصر كل هذا فعلًا. فجيلنا لم يعش زمنًا واحدًا، ليس لأننا كبار إلى هذا الحد، وأرفض منذ البداية أي محاولة لحساب أعمارنا انطلاقًا من المعلومات الواردة في هذا المقال، ولكن لأن بعض تفاصيل طفولتنا أصبحت تحتاج اليوم إلى شرح، ثم إلى صورة من الإنترنت، وربما إلى شاهدين، حتى يصدق الأصغر منا أننا لا نختلق تاريخًا موازيًا للبشرية.
لقد عشنا، مثلًا، زمنًا كان فيه الهاتف مربوطًا بالحائط. حرفيًا. هذه الجملة وحدها الآن تبدو كأنني أصف عقوبة منزلية للهاتف، لكنها الحقيقة.
لم يكن للهاتف الحق في التجول داخل المنزل، ولم يكن لأحد أن يأخذه معه إلى الحمام ليقضي أربعين دقيقة لا نعرف عنها شيئًا. كان له مكان معروف، غالبًا فوق طاولة صغيرة خُلقت خصيصًا له، وبجانبه دفتر أرقام وقلم لا يكتب إلا بعد أن تخربش به نصف الصفحة.
وإذا أردت إجراء مكالمة خاصة، تبدأ رحلة هندسية مع السلك. تسحبه إلى أقصى مدى، وتختبئ خلف أقرب باب، وتخفض صوتك، وفي اللحظة نفسها تقرر الأسرة كلها أن المنطقة المحيطة بك مهمة استراتيجيًا لأسباب لا يعلمها إلا الله.
تمر أمك ثلاث مرات.
يبحث والدك عن شيء لم يبحث عنه منذ عامين.
ويظهر أخوك فجأة ليسأل سؤالًا كان يستطيع تأجيله حتى نهاية القرن.
والأغرب أننا كنا نحفظ أرقام الهواتف. أرقامًا كاملة.
اليوم، لو احتُجزت في مكان ما وسمحوا لي بمكالمة واحدة، قد أضطر إلى الاتصال بمنزلنا القديم لأن هذا تقريبًا الرقم الوحيد الذي ما زال محفوظًا في رأسي.
لا أعرف رقم أقرب الناس إليّ، لكنني أستطيع أن أملي عليك رقم صديقة في المدرسة لم أرها منذ عشرين عامًا.
أعتقد أن هذا طبيعي فللذاكرة البشرية نظام أرشفة لا يخضع لأي جهة رقابية.
ثم جاء الإنترنت. والإنترنت في بدايته لم يكن خدمة، بل طقسًا استحضاريًا. تضغط زر الاتصال، فيبدأ الجهاز بإصدار أصوات لا يمكن تفسيرها إلا بأن مخلوقًا إلكترونيًا يتعرض للتعذيب في الداخل. صفير، خشخشة، صراخ، ثم صمت مفاجئ يعني أنك أصبحت متصلًا بالعالم.
وكان العالم يومها هشًا جدًا؛ تكفي مكالمة هاتفية واحدة لطردك منه.
أما الصور، فكانت تحتاج إلى الصبر المذكور في الفضائل الدينية.
نلتقط أربعًا وعشرين أو ستًا وثلاثين صورة، ثم نرسل الفيلم للتحميض وننتظر. لا نعرف ماذا التقطنا، ولا إن كانت عيوننا مفتوحة، ولا إن كان إصبع المصور قد شارك في نصف الصور.
وحين تصل الصور، نكتشف أن سبعًا منها مظلمة، وأربعًا مهزوزة، وواحدة يظهر فيها نصف رأس خالتي، ومع ذلك نضعها جميعًا في ألبوم.
لم تكن هناك خاصية «حذف».
ولهذا ربما كنا أكثر تصالحًا مع وجوهنا. الصورة السيئة كانت قد طُبعت ودُفع ثمنها، وانتهى النقاش.
أما اليوم فنلتقط سبعًا وثلاثين صورة كي نحصل على صورة تبدو فيها اللقطة «عفوية».
وهذا إنجاز يحتاج وحده إلى دراسة: أن تقضي عشرين دقيقة في ترتيب عفوية ناجحة.
حتى الموسيقى كانت تحتاج إلى التزام.
إذا أحببت أغنية، لا تفتح تطبيقًا وتطلبها كأن المغني موظف لديك. تنتظرها على الراديو.
وقد تنتظر ساعة كاملة وأنت ممسك بزر التسجيل، ثم تبدأ الأغنية فجأة بينما أنت في المطبخ، فتركض نحو المسجل بسرعة شخص تلقى خبرًا عن حريق.
تصل بعد أول عشر ثوانٍ.
لا بأس.
نسجل ما تبقى.
ثم يقرر المذيع، قبل نهاية الأغنية بثلاث ثوانٍ، أن يخبرنا باسمه واسم المحطة ودرجة الحرارة.
فنحتفظ بالأغنية سنوات، ونحفظ معها صوت الرجل الذي أفسدها.
وكان شريط الكاسيت نفسه كائنًا حساسًا؛ قد يقرر في أي لحظة إخراج شريطه من المسجل كأمعاء إلكترونية طويلة.
وهنا تبدأ الجراحة. قلم رصاص، هدوء أعصاب، تدوير بطيء، ودعاء ألا يكون الجزء المتضرر من الأغنية التي نحبها.
نحن جيل أصلح الموسيقى بالأدوات المكتبية، ومن حقنا أن نضع ذلك في سيرتنا الذاتية.
لكن أكثر ما تغيّر، في رأيي، ليس الأجهزة.
إنه الانتظار.
كنا ننتظر كل شيء.
ننتظر الحلقة القادمة أسبوعًا، وإذا فاتتنا فلا توجد منصة تقول لنا: «تابع من حيث توقفت». لقد توقفت وانتهى الأمر. عليك أن تعيش بقية حياتك وأنت لا تعرف لماذا صفعت البطلة زوجها في الحلقة الثالثة والأربعين.
كنا ننتظر الصور. ننتظر الأغنية. ننتظر رسالة. وننتظر شخصًا خرج من البيت.
وهذه الأخيرة تبدو اليوم مرعبة قليلًا.
كان الإنسان يخرج من المنزل.. ويختفي.
لا نقطة زرقاء على الخريطة. لا «آخر ظهور». لا رسالة تقول: «وصلت؟» لا تطبيق يخبرك أن السائق على بعد ثلاث دقائق.
يقول الشخص: «سأعود مساءً»، فنوافق ببساطة على هذه المعلومات المحدودة، ثم نكمل يومنا متقبلين تلك الحبكة المثيرة.
واليوم إذا تأخر أحدهم سبع دقائق، تبدأ غرفة العمليات:
أين أنت؟ لماذا لا ترد؟ رأيت أنك كنت متصلًا منذ خمس دقائق.
ثم نرسل علامة استفهام منفردة، وهي الشكل الحديث لإعلان حالة الطوارئ.
والطريف أننا لم نبق في ذلك العالم.
انتقلنا منه إلى هذا العالم بسرعة تكفي لإرباك أي دماغ محترم.
نحن الأشخاص أنفسهم الذين كانوا ينفخون داخل شريط ألعاب كي يعمل، وصرنا الآن نغضب لأن الهاتف لم يتعرف إلى وجوهنا من المحاولة الأولى.
كنا ننتظر دقائق حتى تفتح صفحة واحدة على الإنترنت، واليوم إذا دارت دائرة التحميل ثانيتين ننظر إلى جهاز الراوتر بخيبة شخصية، كأنه خذل العِشرة بيننا.
صرنا ندفع بالهاتف، ونعقد الاجتماعات مع أشخاص في قارات أخرى، ونطلب الطعام ونحن على الأريكة، ونسأل الذكاء الاصطناعي عن أشياء كنا نحتاج سابقًا إلى موسوعة كاملة للعثور عليها.
ومع ذلك، ما زال جزء منا يعيش في النسخة القديمة.
ما زلنا نضغط زر المصعد أكثر من مرة، مع أن أحدًا لم يثبت أن المصعد يتأثر بالإلحاح.
نضغط زر إغلاق الباب خمس مرات أيضًا، ربما لأننا نعتقد أن الآلة ستقول في نفسها: يبدو أن السيدة مستعجلة فعلًا، سأبذل جهدًا إضافيًا.
وإذا تعطل جهاز إلكتروني متطور تبلغ قيمته راتبًا كاملًا، تبقى أول فكرة تخطر لنا: هل جرّبت أن تطفئه وتشغله؟
وهكذا، لا أعتقد أن الحكاية هي أن زمننا كان أجمل. لم يكن أجمل دائمًا.
كان علينا أحيانًا أن نقف لتغيير قناة التلفاز، ولا أرى أي قيمة أخلاقية يمكن استخراجها من هذه المعاناة.
ولا أعتقد أن الزمن الحالي أسوأ أيضًا.
إنما الغريب أننا عشنا الاثنين.
نعرف شعور أن تكون المعلومة نادرة، ونعرف الآن كيف يبدو العالم حين تصبح المعلومات أكثر مما نستطيع احتماله.
عرفنا معنى أن تضيع فعلًا، ثم عشنا حتى صار هاتفنا يعرف أين نحن قبل أن نعرف نحن شخصيًا.
انتظرنا أسبوعًا لنرى صورنا، ثم وصلنا إلى زمن نلتقط فيه عشرين صورة في دقيقة ونحذف تسع عشرة منها لأن ذقننا أو عيوننا لم تتعاون.
ربما لهذا أشعر أحيانًا أن في رؤوسنا نظامي تشغيل يعملان معًا.
واحد لا يزال يتذكر كيف يعيد شريط الكاسيت بقلم رصاص.
والآخر يناقش الذكاء الاصطناعي لأنه لم يفهم طلبه من المرة الأولى.
وأظن أن هذا هو المربك في حكايتنا كلها: نحن أول جيل وصل إلى هذا العالم الجديد، وآخر جيل يتذكر بوضوح العالم الذي سبقه. دخلنا الحياة من باب الهاتف ذي السلك، وها نحن نخرج صورًا بالذكاء الاصطناعي ونختلف معه لأن ملامحنا لم تعجبه فغيرها.
لذلك نرجو من الأجيال الجديدة قليلًا من الرأفة. لا تسخروا منا إذا فرحنا بتقنية اكتشفتموها قبل الإفطار، ولا تنزعجوا إذا استخدمنا أحدث برامج الذكاء الاصطناعي لنصنع لأنفسنا صورة بتسريحة من الثمانينيات، أو أعدنا صيحة موضة من التسعينيات ظننتم أن البشرية تخلصت منها نهائيًا.
ولا تنسوا أن كل هذا التطور لم يهبط عليكم من السماء؛ وراءه أجيال تعبت واخترعت وجرّبت وفشلت ثم جرّبت من جديد، حتى وصل العالم إلى ما هو عليه. أما نحن، فكان لنا شرف الموقع الاستراتيجي في منتصف الطريق: الجيل الذي جُرّبت عليه تقريبًا كل النسخ التجريبية للبشرية الحديثة.
لسنا جيلًا قديمًا تمامًا، ولا حديثًا تمامًا.
نحن النسخة الأصلية التي استمرت في استقبال التحديثات.
نحن لا نعيش في الماضي، صدقوني.
نحن فقط نحاول أن نُري المستقبل من أين أتينا.
ثم إننا تأقلمنا مع عالمكم بسرعة محترمة جدًا، فتحمّلونا لأن من الطبيعي، بعد كل هذه التحديثات، أن تظهر علينا بعض الأعطال. ولا تضحكوا حين نحكي لكم عن تلك الأيام ونبدأ حديثنا بـ"كان يا ما كان"؛ فالعالم الذي عرفناه يومها صار بعيدًا بما يكفي ليبدو حكاية، وقريبًا بما يكفي لأقسم أنه كان هنا منذ قليل.
