د. محمد بن عوض المشيخي **
هل هي الأقدار هي التي فَرضت علينا في هذه المنطقة من العالم أن يتقرر مستقبل الحرب والسلام من خارجها؟ ولماذا يُعاني الأبرياء من هذه الحروب الهمجية وغير الشرعية، وندفع ثمنها جميعًا بدون مبرر أو ذنب؟ لماذا تدفع دول الخليج ثمن ما أنجزته من مشاريع تنموية عملاقة خلال أكثر من نصف قرن؟! على الرغم من أن معظم حكومات هذه الدول لم تشارك في الحرب، وحاولت بكل الطرق تجنيب المنطقة ويلات الدمار الشامل؛ لكونها تدرك بكل وضوح بأن لا ناقة لها ولا جمل في ذلك.
صحيحٌ أن من أشعل هذه الحرب في البداية معروف وله سوابق وسجل معروف في سفك الدماء والبحث عن المصالح حتى ولو كانت على جثث الآخرين. والشواهد واضحة في فلسطين وفيتنام وأفغانستان. وبالفعل يدرك من خَبر هذا الإقليم الذي ينتقل من حرب إلى أخرى أن ثمن السلام الحقيقي باهظ ومكلف، ولا يمكن أن يتحقق بالحوار والحكمة فقط؛ فالافتراض القائم على الحقيقة التي يدعو أصحابها إلى الحفاظ على حقوق شعوب المنطقة في حياة كريمة واستقلال سياسي في القرارات سيادية لكل دولة، أصبح بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى.
ولعل اجتماع وزراء خارجية دول الإقليم الذي كان مقررًا أن له أن يُعقد في مدينة صلالة يوم الإثنين الماضي، دليل واضح على أن هناك من يقف بالمرصاد لمنع دول المنطقة من الجلوس على طاولة الحوار، ومناقشة الخلافات وطرح الحلول المنطقية للخروج من مأزق مضيق هرمز وتداعياته على دول الخليج أولًا ثم العالم بأسره. وحول الأسباب المعلنة عن تأجيل ذلك اللقاء الذي نعتقد أنه سيفتح آفاقًا للحوار الصريح ونافذة أمل لشعوب المنطقة للخروج من عنق الزجاجة التي طال فيها المعاناة للجميع؛ إذ هناك من يعتقد بأن السبب الرئيس يتمثل أن هناك من دفع بجدول أعمال غير مقبول من البعض؛ حيث إنَّ من الأصول أن الأفكار المُعدَّة للنقاش تكون من الدولة المُضيفة، بينما هناك من يقول إن هناك معارضة أجنبية للاجتماع نفسه، كما أن بعض التسريبات غير الرسمية ذكرت أن بعض الدول الخليج التي تعرضت للاستهداف خلال الشهور الماضية لا تُفضِّل الجلوس مع الإيرانيين في هذه المرحلة قبل أن تُظهر طهران حسن النوايا والاعتذار.
لكن السبب الأهم، جاء من سلطنة عُمان التي أكدت بوضوح أن وراء تأجيل الاجتماع الإقليمي الرغبة في تهيئة الظروف المناسبة لحوار صادق ينتشل الإقليم من مرحلة اللاسلم واللاحرب، والوصول إلى تحقيق تفاهمات مستدامة توفر أرضية مشتركة لجميع الأطراف على ضفاف الخليج. وفي كل الأحوال لا أحد يعرف بالضبط ماذا ينتظر المنطقة من مؤامرات وحروب في قادم الأيام؛ وذلك في ظل تواجد الأساطيل وقواعد أجنبية وُجِدَت لتدمر كل شيء، وتقتل بلا مسؤولية أخلاقية؛ بل فشلت في حماية الحلفاء، وتسببت في حصار الدول المُطِلَة على الضفة الجنوبية الغربية للخليج العربي بعد حربها المتهورة وغير القانونية في فبراير الماضي. ونتيجة لهذا الانفلات الأمني في الإقليم، نرى قيام بعض المليشيات الخارجة عن القانون باستهداف المرافق المدنية والاقتصادية كالأنابيب التي تحمل النفط السعودي من شرق المملكة إلى غربها لمواني البحر الأحمر.
لم تنتهِ القصة عند هذا الاعتداء الآثم لدولة انتهجت السلام والحكمة وضبط النفس في سياستها تجاه الحرب؛ بل الأسوأ من ذلك كله تعرُّض المدن السعودية الجنوبية خلال هذه الأيام للقصف والعدوان من هذه الميليشيات، وكل ذلك يأتي في إطار مؤامرة كبرى تتعرض لها المملكة العربية السعودية التي نجحت بحكمة واقتدار في تأسيس حلف مكة الدفاعي؛ الذي يضم باكستان بترسانتها النووية، وتركيا بقوتها الاقتصادية وصناعتها العسكرية التي تضاهي بإمكانياتها وجيوشها الدول الكبرى الصناعية، بالإضافة إلى الرياض بثقلها السياسي والاقتصادي المؤثر على مستوى العالم.
وفي الختام.. يبدو لي أنَّ الهدف الرئيس من دعوة سلطنة عُمان- التي عُرفت دائمًا بسفير السلام وموطن الحكمة- هو حث الجميع للجنوح للسلم وترك الهيمنة والتوسع من بعض الأطراف التي ما زالت تفكر بمنطق القوة والسيطرة؛ وبدلًا من ذلك يجب على الجميع الاصطفاف نحو التوافق والتآخي؛ وذلك لإنقاذ الخليج والعالم من الحروب والتداعيات المدمرة التي تلحق الضرر بالجميع في حالة الاستمرارية في الخلافات والفتن التي بلا شك تقضي على طموحات المجتمعات الخليجية في هذا الإقليم المُحتقِن والذي أدمته المِحَن بسبب التدخل الأجنبي الذي يجد من يناصره من بيننا، مع كل أسف!
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
