السياحة.. بين الترفيه والتوجيه

 

 

صبحي حسن

يُعد مفهوم السياحة مفهوما فضفاضا دخلت فيه أنشطة كثيرة متنوعة لم تكن واردة من قبل غير الترفيه والترويح والتسلية. فقد تم استحداث السياحة العلاجية والسياحة الدينية والسياحة البيئية وسياحة المغامرات وسياحة الأعمال والمؤتمرات وسياحة التأمل والسياحة الجماعية، ولكن تظل أبرز المعاني هي الترفيه.

هناك نوعان من السياحة: السياحة الدولية الوافدة وهي لغير المقيمين والمسافرين إلى البلد المُستَـقبِل، وتعتبر دول الحوض المتوسط وأوروبا الغربية والأميركتين ودول جنوب شرق آسيا أهم الدول المستقطبة لها. والسياحة الدولية الصادرة وهم المقيمون داخل بلد ما المسافرون خارج الوطن الأصلي لبلد أجنبي آخر، وتعتبر دول أوربا الغربية وأميركا الشمالية والصين ودول الخليج أهم الدول الصادرة لهذا النوع من السياحة.

وأمام هذا الكم الهائل من التنوع، والاهتمام المتزايد بالسفر، والزيادة في الاستثمار في هذا القطاع، والمنافسة، والتطور في الرحلات، والانفتاح غير المسبوق على العالم، تغيرت وجهات الناس التقليدية للسفرإلى أماكن غير تقليدية لم تكن تخطر على بال من قبل، وتغير تبعا لذلك مفهوم السفر كليا.

تعريف السياحة:

بالرجوع إلى "المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته"، السياحة من سيح يسيح سياحة وسُيُوحا وسَيحا وسَيَحانا، الماء الجاري على الأرض وانبساطه، أُخذ منه معنى الامتداد والانطلاق. ويقال ساح الرجل في الأرض ذهب للعابدة، ويقال للسائح الصائم والملازم للمساجد.

الراغب: السائحون هم الذين يتحَرَّون ما اقتضاه قوله تعالى "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا" (الحج: 46).

مجمع اللغة: ساح فلان في الأرض ذهب ومر فيها حيث شاء، متنقلا باختياره للنظر والاعتبار والعابدة.

المصطفوي: الذهاب مع التروي والنظر.

أما أبرز أقوال المفسرين، الفخر الرازي: الضرب في الأرض والإتساع في السير والبعد عن المدن وموضع العمارة والتنقل من بلد إلى بلد.

صاحب الميزان: السير في الأرض إلى مساكن ذكر الله.

القاسمي: الصائمون أو الضاربون في الأرض تدبرا واختيارا. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله"، ويضيف ان المعنى الظاهر، الذاهبون في الديار لأجل الوقوف على الآثار توصلا للعظة والاعتبار.

الشيخ محمد جواد مغنية: طلب العمل أو الرزق الحلال ومراجعة الذات.

في اللغة الإنجليزية، المعنى يأخذ منحا مُغيارا تماما، فكلمة (Tourist) تعني الشخص الذي يسافر للترفيه، وكلمة (Tour) زيارة معالم مكان معين، و(Trip) السفر إلى مكان والعودة منه فالأصل الإنجليزي للسياحة هو السفر للترفيه، وهذا برأي أصوب المعاني وأقربها دلالة من كلمة السياحة التي هي في الواقع مصطلح عبادي عملي بكل ما للمعنى من كلمة.

السياحة في القرآن الكريم

ورد فى القرآن الكريم كلمة المسيح تسع مرات، لقب للنبي عيسى عليه السلام، فقد كان يمسح الأرض أي يسير ويطوف فيها هادياً ومبلغاً لأحكام الله عز وجل، فهو السيّاح في الأرض لا يقيم في مكان واحد. وقيل إنه مُسح بالبركة، فقد كان عليه السلام يمسح بيده على العليل والأكمه والأبرص فيبرؤون بإذن الله تعالى.

في سورة التوبة الاية 2 " فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ " مهلة أُعطيت للمشركين لينظروا في أمرهم ويأمنوا فيها على أنفسهم قبل أن يكون للإسلام فيه كلمته بعد هذه المهلة إن لم يؤمنوا.

في سورة التوبة (آية 112): "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ "، وفي سورة التحريم (آية 5): "عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا"، وردت كلمتا "السائحون" و"السائحات" ذُكرت معها صفات المؤمنين ذكورا للأولى وإناثا في الثانية، تشابهتا في التوبة والعابدة والسياحة وتباينتا في الصفات الأخرى، وقد سبق شرح معنى السائح.

فالسياحة لاعلاقة لها مطلقا بالترفيه أو اللهو أو الاستجمام كما يُتداول ويُتناقل، بل توجيه إلى عبادة بصفة أصيلة.

لقد تغير مفهوم السفر مع مرور الزمن من رحلات شاقة للعمل أو التجارة أوكسب العيش أوطلب العِلمْ إلى مفهوم للراحة والترفيه. ربما يعود منشأ ذلك إلى الثورة الرقمية ووفرة المعلومات ثم إلى الروتين الممل وضغوطات الحياة، والفراغ مع القدرة المادية. ومن الأسباب تطور وسائل السفر والمواصلات، فالسفر اليوم أصبح من السهولة واليسر بمكان، أنك لا تحتاج إلى الكثير من العناء لتأمين والإعداد، يكفي أن تتواصل مع إحدى الشركات المقدمة للخدمة، فترى نفسك في ذاك البلد دون جهد أو مشقة كثيرين.

السفر بحد ذاته مطلوب ومرغوب، خاصة إذا تطلب للعلاج أو الدراسة أو العمل أو الهجرة. لكننا فقدنا البوصلة في الاتجاه الصحيح. الإسلام يبغض العبثية وإضاعة الأوقات فيما لا نفع فيه يقول الله تعالى "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وإنكم إلينا لا ترجعون" (المؤمنون: 115).

لقد تم تحوير وتبديل مفهوم السياحة إلى مفاهيم معكوسة مغالطة، وبين الفينة والأخرى يضاف إليها منتجات جديدة لا علاقة لها بمفهوم الترفيه فضلا عن الدين. إذا جاز لنا ان نطلق كلمة السياحة على الأصناف سبق ذكرها، فالسياحة الدينية هي أنسبها؛ فهي تشمل الحج والعمرة وزيارة العتبات المقدسة وكل ما يرتبط بها، فكل سفر فيه نظر واعتبار هو سياحة.

إننا ندعو إلى تغيير هذا المفهوم بشكل جذري، كي لا نقع فى فخ التسليع والتعليب والتسطيح، لنعيش السياحة في مدارج الطاعة بالتسبيح والتمجيد، مع الأخذ بنصيب الاستجمام والترويح.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z