عبيد بن حمدان بن عبدالله المعمري
لا يمثل الاستعداد المبكر لمواسم الأمطار خيارًا إداريًا عابرًا، بل هو استحقاق أمني وتنظيمي محتوم تحتمه قراءات الهيئة العامة للأرصاد والملاحة الجوية في سلطنة عُمان.
فعندما تشير النشرات بعيدة المدى إلى احتمالية هطول كميات حول أو فوق المعدل الطبيعي، فإن التعامل مع هذه المؤشرات يتطلب تحولًا فوريًا من مرحلة الرصد إلى مرحلة الفعل التنفيذي.
إن استمرار التعامل مع التقارير المناخية ببطء وتراخي، وانتظار اللحظات الحرجة أو نداءات الاستغاثة، يعطل بوضوح المبدأ الإداري القاضي بأن الوقاية تسبق العلاج، ويضاعف من حجم التحديات التي تواجه البنى الأساسية، لا سيما في ظل تضافر التغيرات المناخية العنيفة مع بعض الممارسات البيئية غير المستدامة.
وتتجسد أبرز المخاطر الميدانية في طبيعة مجاري الأودية المجاورة للتجمعات العمرانية؛ فقد تحولت هذه المجاري، نتيجة لغياب الرقابة الدورية، إلى بيئات مكثفة لنمو الأشجار البرية الشوكية وتراكم مخلفات البناء والأنقاض والمخلفات الزراعية.
وعند جريان السيول العنيفة، تعمل هذه التراكمات كعوائق طبيعية تشكل سدودًا عشوائية مفاجئة، مما يدفع المياه نحو الفيضان الجانبي واجتياح المخططات السكنية والمنشآت الحيوية.
من هذا المنطلق، تصبح الحاجة ملحة للتحرك الفوري لإزالة المعوقات، وتنظيف المجاري والعبّارات، وإيجاد معالجات هندسية دقيقة لمخارج الشعاب الفرعية، بعيدًا عن انتظار وقوع الأضرار.
وعلى القدر ذاته من الأهمية تقف السدود المائية بمختلف تصنيفاتها؛ فهي خطوط دفاع أساسية تتطلب صيانة وتشغيلًا استراتيجيًا مستمرًا. إن تراكم الطمي والرمال في بحيرات التخزين، إلى جانب نمو الغطاء النباتي حول البوابات، يقلل من كفاءتها التشغيلية ويعرض سلامتها لمخاطر حقيقية عند امتلاء حوض السد.
إن إخضاع هذه المنشآت لعمليات فحص هندسي دوري وتجريف مستمر يتجاوز حدود الطوارئ الموسمية، ليكون جزءًا أساسيًا من منظومة الصيانة الوقائية المتكاملة.
والمسؤولية الملقاة على عاتق الجهات المعنية تستدعي تفعيل الأدوار التنسيقية وتجاوز النهج التقليدي في الإدارة، من خلال تمكين لجان الطوارئ المحلية في المحافظات والولايات لتكون حلقة وصل ميدانية سريعة؛ فالقطاعات الخدمية والهندسية تمتلك الكفاءات والقدرات اللازمة لتحويل التقارير المناخية إلى برامج عمل ميدانية واضحة، مدعومة بتوظيف الأنظمة الذكية وإنذار الطوارئ الرقمي وتكامل بيانات الرادار والأقمار الاصطناعية لرفع كفاءة الاستباق.
وإلى جانب الجهود الحكومية، يبرز دور الشراكة المجتمعية والوعي الفردي كركيزة أساسية لا تقل أهمية؛ فالالتزام بالتعليمات وعدم رمي المخلفات في مجاري الأودية يمثل واجبًا وطنيًا تكامليًا يقي المجتمعات من المخاطر ويحمي المكتسبات، ويؤكد على أن الجاهزية الحقيقية تقاس بما يُنجز قبل هطول قطرة المطر الأولى.
وفي الختام.. إن حماية الأوطان وسلامة الإنسان تبدأ من وعي يسبق العاصفة وعمل يسبق النداء. فلنعمل بيقين ومسؤولية لندرأ المخاطر قبل وقوعها، وليكن شعارنا الدائم: الاستباق لا ردة الفعل.
حفظ الله عُمان وأهلها من كل سواء ومكروه، وجعلها الله سُقيا رحمة تعم البلاد وتنفع العباد.
