د. صالح الفهدي
توقَّفتُ عند الآية الكريمة ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]، ووجدتُ عند تدبُّرها مقاربةً مذهلةً لما يحدثُ اليوم عبر الإِعلام التقليدي (صحف، إعلام مرئي، إعلام مسموع)، والإعلام الرقمي (منصات تواصل اجتماعي، خوازميات التواصل الرقمي)، وحيث إنَّ منشأَ هذه الوسائل جميعها غربي؛ فالحديث هُنا عن التأثير الإعلامي الغربي على عقولنا، والهادف إلى إعادة تشكيل العقول، وسلبها مقدَّرات القرار، وتغيير ولاءاتها، وإعادة برمجة هويتها.
لقد اختصر القرآن الكريم في كلمات قليلة مشهدًا بالغ العمق في علاقة السلطة بالوعي حين يقول عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]، ومن اللافت أن يسبق "الاستخفاف" في الآية القرآنية قبل "الطاعة"؛ تأكيدًا على أنَّ الطريق إلى السيطرة على السلوك يمرُّ أولًا عبر التأثير في الوعي؛ فإذا خفَّ ميزان التفكير، واضطرب معيار الحقيقة، وأصبحت العاطفة أقوى من البرهان، صار توجيه الإنسان أيسر.
وإذا تمعَّنا الوسائل التي استخدمها فرعون لوجدناها تكشفُ عن منظومة متكاملة من التأثير النفسي والاجتماعي والإعلامي، حيث نجد بعضها في دراسات الدعاية الحديثة، ومنها ما تناوله عالم النفس الأمريكي "إدوارد بيرنز" في كتابه الشهير "البروباغندا Propagand" عام 1928، وهي كالآتي:
أولًا: تضخيم الذات وصناعة الهيبة: وفي ذلك يقول فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: 51]، فهو يضخّم "أناه" بتضخيم ما يملك، دون أن يلتفت إلى مناقشة حجة موسى عليه السلام. وهُنا يصنع صورته الذهنية في عقول الجمهور.
ونجدُ هذا التضخيم المتعلق بـ"الصورةِImage " قضيةً من القضايا المحورية التي ركَّز عليها الاتصال الحديث؛ فالإنسان قد يتأثر بالصورة المحيطة بصاحبها قبل أن يفحص رسالته. ويتمثل ذلك في عالم المنصات؛ إذ تبدو الصورة أكثرُ تعبيرًا من حيث عدد المتابعين، المشاهدات، المظهر، المكان، الشهرة، علامات التوثيق، الانتشار؛ وكلها قد تصنع في نفس المتلقي انطباعًا بالسلطة والمصداقية، مع أنها لا تثبت بذاتها صحة ما يقال.
الانتشار لا يعني الحقيقة، وقد نبَّه الحق سبحانه نبيَّه الأكرم عليه السلام بصورة أُخرى قائلًا: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:116].
ثانيًا: تشويه الخصم بدل مناقشة الفكرة: فحين عجز فرعون عن مواجهة حجة موسى عليه السلام، لجأ إلى توصيفه بأوصاف تصرف الناس عن الاستماع إليه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27]، وبذلك حوَّل المعركة من تفنيد حجة موسى عليه السلام إلى اتهامه بالجنون، وهذا أسلوب يتكرَّر في الخطاب الإنساني: بدل مناقشة الحجة، يهاجم صاحبها.
ومنصات التواصل الاجتماعي تحفلُ بالأمثلة كاجتزاءِ مقطع، أو تصريح، أو بوضع عنوان مثير، أو باختزال تاريخ شخصية في زلة لسان، أو استخدام وصف ساخر حتى تتكون صورة ذهنية سلبية عنها قبل أن يسمع الجمهور كلامها كاملًا. حينها لا يناقش الإنسان الفكرة، بل يناقش الصورة المصنوعة (الهالة) حول صاحبها.
ثالثًا: صناعة الخوف: يقول فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26]؛ وهي من أخطر وسائل التأثير؛ لأنه لم يقل لقومه فقط: أنَّ موسى يخالفني، وإنما يصوِّر لهم أَنَّ موسى خطرًا عليهم هم (على دينهم، وعلى مجتمعهم، وعلى استقرارهم). وهذا ما تشتغل عليه بعض منصات التواصل الاجتماعي: التهويل والتخويف؛ فالإنسان حين يخاف لا يفكر بطريقة منطقية وهادئة.
هذا الأمر حاضر بقوة في المحتوى الرقمي؛ فالعناوين التي تثير الخوف والغضب والصدمة تستحوذ على الانتباه سريعًا. وقد يندفع الإنسان إلى المشاركة والتعليق وإصدار الأحكام قبل أن يتحقق من أصل الخبر. وهُنا تأتي أهمية "التبيُّن" في مصداقية الخبر، ومناقشة مضمونه.
رابعًا: «سحر الأعين» وصناعة المشهد: وهذه من أكثر المشاهد دلالة متمثلةً في قوله تعالى واصفًا السحرة: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116]، ولنتأمل في مشهد (سحروا أعين الناس) الذي يؤثر في الإدراك، وفي الرهبة التي تؤثر في المشاعر، ونقارب بذلك سحر الصورة في وسائل الإعلام الحديثة؛ حيث إنها تمارسُ ما يسمَّى مجازًا "سحر الصورة" من خلال مونتاج احترافي، لقطة منتقاة، موسيقى مؤثرة، تعليق عاطفي، صورة خارج سياقها، ومقطع لا يتجاوز ثواني. ومن هنا تمارس الصورة الكليَّة سحرها في النفوس.
لن نطيل الحديث في هذه المساحة البسيطة، فقد أوضحنا ما نريد قوله من أن الإشكال الحقيقي يبدأ من ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، فالعقل الذي يتخلَّى عن التثبت، ويُصاب بالخدر، يصبح أكثر قابلية للقيادة من الخارج.
واليوم تغيّرت الأدوات؛ من المنادي، والجمهور، والمشهد العام إلى الهاتف والمنصة والمؤثر والخوارزمية، لكن الإنسان بقي هو الإنسان: يتأثر بالخوف، وينجذب إلى الصورة، ويأنس بالمكرر، ويتأثر بالجماعة، وقد يمنح ثقته لمن أقتدى أو أحب قبل أن يفحص ما يقول.
وعلى ذلك فإنَّ مسؤوليتنا لا تكون في إغلاق آذاننا أو أعيننا، وإنما في أن نفتح عقولنا، ونتدبَّر ما يتساوقُ إلينا من أفكار، وصور، ومقاطع، ولا نسلِّم عقولنا لغيرنا في أن يفكر نيابةً عنا، ولا يبهرنا إعجاب الكثرة من الناس، ولا أن يسلبنا الخوف الثقة في أنفسنا، والتحري عن الصدق.
