رواية «مجرد اشتباه».. حين تمشي الحقيقة على حافة الشبهة

 

 

 د. أحمد الحارثي

ورقة الرول البيضاء التي تتوسط الغلاف البرتقالي لرواية «مجرد اشتباه»، أرادت الكاتبة مياسة أحمد، في أول عمل روائي لها، أن تكسر بها ثقافة اللامبالاة التي يتّبعها عادةً زبون المقاهي بعد كل عملية دفع تتم قبل المغادرة؛ فإما أن تُترك للمحاسب ليتصرّف بها، أو أن يتناولها الزبون سريعًا ويطويها بين أصابعه استعدادًا لقذفها في أقرب صندوق نفايات يصادفه، وكأنه لا يريد تذكّر ما تناوله ولا ما دفعه من مبالغ.

نعم، يبدو أن «دار عرب» هي الأخرى شاركت الكاتبة فكرتها في كسر نمطية الصورة المخزونة في ذاكرتنا، ومنحت العمل الروائي الأنيق فرصةً لا يجب على القارئ أن يفوّتها، وأن يعامله لا كزائر أو كزبون، بل كمتعة يتجوّل بخفة بين أحداث تدور وتتنقل بين عاصمة وأخرى، وبين حيّ وآخر، وزمن وآخر، وشخصية وأخرى. فتماسك الشخصيات والأمكنة والأحداث واللغة والأزمنة يجعلك تعيد قراءة الفاتورة داخل كل صفحة، وتحتفظ بها في كل صفحة تنهي انبهارك فيها وبها.

Untitled.jpg
 

فهي تقودك مرةً إلى رومانسية متوازنة وملتبسة، وتقودك مراتٍ إلى محطات تجوب دمشق ومراكش ومسقط، وإلى مِهن وتحقيقات وطلقات نار ومعتقدات لا تُعدّ ولا تُحصى، في لغة آسرة تلتقط حِكم كونفوشيوس، وجنون زياد الرحباني، ورومانسية هاني شاكر، ورائحة عرق باب توما.

فتؤمن، وأنت تحرّك عينيك بين رشاقة اللغة وقوّتها وشخوصها، بأن الكاتبة لا تريد أن تنسلخ من ذاكرتها المدن التي تشبّعت بروائحها وأحيائها؛ فكل مدينة مدينةٌ لها بما تستحقه من وصف محكم بعناية، يضعك في واجهة الحياة وتفاصيلها، بمطاعمها وأجوائها وليلها الثري. وهذا يحدث حتى في غرفة التحقيق وتفاصيلها، وكأنها تختلس صوت المحقق، وتراقب ملفاته وملابسه وأقلامه وطريقة عمله.

ولم تترك رصاصات مسجد الوادي الكبير أن تنطلق دون إحداث ضجيج، لكنه ضجيج أقرب إلى الضرورة منه إلى الصخب أو المبالغة، في حالة ترابط مكاني مُدهش.. أمكنة لتجربة حيّة، وأخرى مُتخيّلة، لكنها استطاعت إحكام قبضتها اللغوية على مداخلها ومخارجها بكثير من لباقة السرد واستدعاء الجزئيات وتوظيفها؛ ما يجعلك أسير الدهشة وإعادة قراءة اسم الكاتبة: هل قرأت لها عملًا سابقًا؟ أم ثمة التباس في الاسم؟

الرواية تشكّل علاقة ملتبسة، ولكنها حذرة، بينها وبين القارئ؛ فعنوانها يُوحي بحالة غير مؤكدة وتحتمل الكثير من التأويلات «الأجاثا كريستية»، والقارئ، كلما توغّل في الأحداث، يكتشف أنه أمام وقائع لا تحتمل التشكيك. وهذا يضعنا ويُدخلنا في قناعات لا متناهية؛ فذكاء السرد استطاع أن يفكك «الشبهات» المحتملة التي قد يعتقدها المتلقي بوجود تناثر في الأدلة التي تدين حجم العمل وأدواته الحكائية.

شيء من هذا لا يستطيع القارئ أن يجده بالمطلق؛ فكل شبهة حقيقة، وكل حقيقة صك براءة غير مشوب بعيب.

يبرز حادث إطلاق النار بشكل عابر في ثلاث صفحات، وكأن في كل صفحة حدثًا يوصلنا إلى ما هو أعمق؛ تتجزأ عبرها تفاصيل، لكنها كانت منطلق أحداث الرواية كلها. حدث عابر وسريع وخاطف، سيظن القارئ للوهلة الأولى أنها صورة متخيلة للكاتبة، فيعبر الصفحات على عجل، وقد يستحضر الحادثة إن كان ينتمي إلى البيئة نفسها، أو مسكونًا بلوثة السياسة وكوارثها. لكن أياً من هذا وذاك ليس بتلك الصورة التي نعتقدها؛ فواقع العمل وعقدته ونهايته، في مجملها، تدور حول الوادي الكبير ومسجده، وكل الهزائم النفسية للبطلين (ماجدة وإبراهيم) هي نتاج هذا المسجد ورصاصات منفذيه، وصدمة المشهد الذي امتد إلى كل مسجد وبيت في بلد ترسّخت في داخله وخارجه صورة المجتمع المسالم والهادئ والمنزوي خلف جباله وأوديته وبحره الممتد حتى نهاية العالم.

لم تترك الكاتبة الجزئيات تمرّ دون فحص دقيق ومتقن؛ تدخلك في كل التفاصيل وأنت لا تقرأ فقط، بل تعيش حالة تأمل وهدوء، وكأنك في مشاهد سينمائية اجتمعت في سيناريو الفيلم كافة عناصره؛ من إخراج وموسيقى وأبطال يتقنون أدوارهم بمهارة عالية. فلا الأبطال متكلّفون في أدوارهم، ولا النص الروائي متكلّف في لغته. ثمّة حوار سلس وممتع، تدور أحداثه وتأخذك بعيدًا إلى الحقيقة، إلى تأكيدها، كحقيقة لا بد من الاعتراف بها، وليست «مجرد اشتباه».

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z