ثم تتفكروا

 

 

 

محمد عبد العظيم العجمي **

هل سبق القرآن فتقدم النظم التي تسمى بـ(التفكير المنهجي) ونظرياته الحديثة؛ فيما عرف بعد بـ(المنهج الاستقرائي inductive method)، و(المنهج الاستدلالي Deductive method)؛ وهل تراه غلَّب المنهج العلمي والعقلي في التعاطي مع جدالات الخصوم في إثبات طروحاته الفكرية، تلك التي نراها متكررة في آياته وحواراته معهم، حين يلح عليهم في تقديم ما لديهم من حجج وبراهين وعلم، ثم لا يألو يفند ويدحض ويزهق ويتبع ذلك بحجته التي تضاهي الشمس في رابعة النهار، يقذف بها على الحجج الواهية فيدمغها فإذا هي زاهقة.

إنه يفعل ذلك مع تلك القضايا العقائدية، تلك التي تحتاج إلى هذا النوع من الجدل البشري في إثبات الحقيقة، وتقديم البراهين وإقامة الحجج، لكننا نراه في القضايا العملية (البحتة) كمثل ما يتعلق بخلق الإنسان أو الكون أو الحياة، نرى منه عكس ذلك.. إنه يطرح القضية العلمية طرحا قاطعا فيما لا يدع مجالا للشك أو الجدل، كنوع من التحدي من جانب القدرة الإلهية، ثم يفسح المجال لهذا العقل العلمي الباحث، مع إرخاء المدة الزمنية حتى نهاية الكون إن كان يستطيع أن يثبت خلاف الطرح القرآني، بل ويصرح له بهذا التحدي المعجز، فيقول: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ".

منهج التفكير العلمي

وهنا نقف مع مشهد أو دعوة من تلك الدعاوى المنهجية الفكرية، وجدالية عقلية تعتصم بحجج المنطق السليم.. ولعلنا نستبين بعض خصائص (التفكير المنهجي) الذي تدعو إليه هذه الكلمات البسيطة من الآية المذكورة ن في هذا الحوار المفند المهيمن.

فالمنهج العلمي- كما عرَّفه العلماء- هو عملية ذهنية منظمة، تعتمد على أدوات منطقية ومبادئ نقدية، تهدف إلى تمحيص الأفكار، وتفكيك المعطيات بعيدا عن العواطف والانحيازات، للوصول إلى الحقيقة بأعلى نسبة ممكنة.

أما أدوات التفكير المنهجي فهي: (التجرد والاستقلال ــ البناء على البدهيات- إخضاع المعطيات للشك المنهجي ــ الشمولية والسياق: عدم اقتطاع الفكرة من سياقها التاريخي أو الموضوعي)؛ كما تمثلت بعض نظريات هذا التفكير المنهجي قديما وحديثا في: (الشك المنهجي عند الغزالي وديكارت- تحرير محل النزاع عند علماء الأصول: ابن تيمية والآمدي ــ المنهج الاستقرائي: فرانسيس بيكون وجون ستيوارت مل ــ تحييد الانحيازات، و...).

تتجلى هذه المنهجية العلمية في جدالات القرآن مع المشركين في أكثر من أسلوب، وفي أكثر من موضع من الآيات والمناسبات الحوارية المتفاوتة مع المشركين وأهل الكتاب الذي حملوا راية الجدال والمناظرة والتشكيك، فلا يضيق جدلا بما يقولون، بل يبسط لهم سبيل القول ويرخي لهم عنان الطرح حتى يأتوا بما عندهم، فيقول لهم: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن. إن عندكم من سلطان بهذا. وما لهم بذلك من علم إن يتبعون إلا الظن".

 

تخليص عقل النبي وتنزيهه

ونحن بصدد هذه الآية التي نقف لديها متأملين شاخصين (متفكرين) كما تدعونا: "قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)" [سورة سبأ].

وهي في معرض الجدال مع المشركين الذي أسرفوا في داعاواهم الاستنكارية على شخص النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الذي عرفوه حين مكث بين ظهرانيهم عمرا يقارب الأربعين عاما "فقد لبثت فيكم عمرا من قبله "، بل لقبوه قبل بعثته ب (الصادق الأمين)، فلما جاءهم بهذا الأمر العظيم، رموه بكل فرية فقالوا: ساحر وكاهن وشاعر وأساطير الأولين اكتتبها، ثم ادعوا عليه الجنون!!

ولما فند القرآن تلك الحجج السابقة جميعها على وفق منهج العقل الذي أبطلها جميعا، فهو لم يكن ليتعلم السحر وهو بين أظهرهم يرونه ليل نهار، ولا الكهانة كذلك.. لم يطرق باب كاهن ولم يشد الرحال حتى للاحتكام إلى أحدهم، وأما الشعر فقد علموا أنه لم يكن من أهله يوما ولم ينشده في صباه ولا كهولته، وأن الموهبة الشعرية كذلك تتبدى في أطوار العمر الأولى في مراحل الصبا، أو الشباب، وهي لم تظهر عليه في تلك المراحل العمرية، ولم يكن حتى منشدا لشعر غيره من الشعراء.

كما شهدوا أن ما جاء به لا تبلغه تخرصات الشعراء ولا عقولهم؛ فقالوا: إنه يعلو ولا يعلى عليه، وما هو بالشعر ولا بالنثر، وإنه ليس بقول بشر.. وهذا كلام قد قطع المطامع وأبطل الفرى فيما يدعونه على عقله أو كلامه الذي جاء به.

أما الجنون..  فكان الدعوة الأخيرة التي ألجئوا إليها بعد استنفاذ دعواتهم المبطلة، فادعوه بها، فانبرى القرآن بمنطقه العلمي يفند عليهم تلك الحجة، ويبطلها ويكذبهم في دعواهم، فقال "ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) [القلم]".

إن أول ما يفقده المجنون هذا العقل الذي يحفظ اتزانه، ويتزين بأخلاقه، فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم لا يزال ممتطيا صهوة هذا الخلق العظيم، ومُعتليًا ذروة سنامه؛ فكيف تصح عليه دعوى الجنون، وهما ضدان لا يجتمعان في بشر(الخلق والجنون).

أما القسم فهو للتوكيد الموحي بأن ما جاء في هذا الآيات دفاعا عنه صلى الله عليه وسلم، ليس من قبيل التعصب؛ ولكنه من قبيل التأكيد على علمهم الواثق بصحة ما جاء دفاعا عنه، وهذا أيضا دحضا لحججهم وإبطالا لدعواهم الفاسدة، وإفكهم المبين.

تغليب الرؤية العقلية والمنهج العلمي

ثم يستفزهم أو يدعوهم راجيا في هذه الآية مستحثا لهم على تحكيم هذا المنطق العقلي السليم، قائلا: "قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)" [سبأ].

وكما جاء في أقوال المفسرين: الوعظ: هو كلام فيه تذكير وتحذير من مكروه، وترغيب في ضده، والواحدة: أي خصلة أو قضية أو كلمة واحدة؛ وهي بمثابة اختصار للكلام دون الدخول في جدالات مرهقة، وإنما عرض للاتفاق على قواعد منطقية في الحوار بين الطرفين؛ (أن تقوموا لله): القيام بالأمر ليس بمعنى الوقوف، ولكن بمعنى التشمير والاستعداد والتأهب للعمل الجاد، وأن يكون غرض هذا العمل الذي يدعو إليه القرآن خالصا لله، أي لا يكون الغرض منه إلا الوصول لوجه الحق، والتخلي عن الأغراض المتبدلة والمتبذلة، ونبذ الأهواء ــ وهو ما وصف علميا كما ذكرنا ب (التجرد والاستقلال، واستفراغ طاقات البحث، والبناء على البدهيات العقلية).

(مثنى وفرادى): يقول الماوردي كلاما حكيما عظميا، كما جاء في تفسير القرطبي، يقول: لأن الذهن حجة الله على العباد، وهو العقل.. فأوفرهم عقلا، أوفرهم حظا من الله، فإذا كانوا مثنى تراءى من العلم لهم أضعاف ما يتراءى على الانفراد".

فتأمل هذا العالم من علماء القرون الأولى، وهو يعد العقل (الذهن) حجة لله على عباده، وهو يعني أن: العقل المتجرد من الهوى لا يضل أبدا طريق الحق (المنهج الاستقرائي)، وإن اعترى بعض اللبس، فإنه بالتعاون مع العقل الآخر المعاون والمناظر لابد أن يكتمل صورة الحق في ذهنه، ثم قدم المثنى وهي تعني (كل اثنين مع بعض على حدة)، على الفرادى وتعني (فردا فردا)، لأن تلاقح العقول وتناظرها يجلي صورة العلم الخالص في النفس، ويكون أخلص وأسلم من تسرب الهوى والأغراض والتخليط إلى النفوس.

مع التحفيز والتأكيد كذلك على نجاعة العقل (الفردي) المتجرد من الهوى في التوصل إلى الحقيقة الخالصة.. يقول الشيخ ابن عاشور: "هذا لدفع عوائق الوصول إلى الحق بالنظر الصحيح الذي لا يغالط في صاحب هوى ولا شبهة، ولا يخشى فيه الناظر تشنيعا ولا سمعة".

ولعل القرآن في هذا الطرح يغلب نظرية (الشك) كما عند الغزالي وديكارت، فهو لا يبدأ في الزعم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ينبري في الدفاع عنه؛ إنما يطرح القضية على بساط البحث، ثم يدعو العقل المتجرد في استفراغ طاقاته بعد استحضار أدواته العلمية، ثم العمل للوصول إلى النتيجية التي يستقبلها العقل بحال من الطمأننية والرضا والموافقة العلمية.

تجنب منهجية العقلية الجماهيرية أو العقل الجمعي

وتبرز هنا لطيفة قرآنية عجيبة أثبتتها الدراسات الاجتماعية الحديثة، وهو نبذ العقل (الجمعي) وعدم التعويل عليه فيما يسمى بـ(المنهج العلمي)، إلا أن يكون فريق عمل من المتخصصين والعلماء، يجمعهم في غرضهم المنهج العلمي، بعيدا عن الغوغاء والدهماء والهوام والعوام.

يحدثنا جوستاف لوبون عن هذا العقل الجماهيري في كتابه "سيكولوجية الجماهير" يقول: "روح الجماهير هي الوحدة الذهنية التي تتشكل لدى اجتماع عدد من الأفراد في ظرف معين، حيث الكتلة تخفض من مستوى الملكات العقلية لديهم". كما يقول: "تلاشى الشخصية الواعية، وهيمنة الشخصية اللاواعية؛ وتوجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار".

إن القرآن لا يعرف منطق الضجيج، ولا الحجج المشوشة في الاجتماعات الصاخبة ليصل منها إلى علم هش، ومنطق لا يثبت أمام العلم المفند؛ إنما هو يبني بمنطقه على أصول علمية راسخة لا تعرف التبديل ولا التغيير، ولا التخليط في النوايا؛ إنما هو الحق المحض وما دونه الباطل.

انظر كيف ينهى الله نبيه عن شهود هذه الصلاة في المسجد الذي لم يؤسس على دعائم ثابتة واضحة، ونوايا صادقة من أول يوم.. لقد كان هذا الخلط المشوب في تشييده من بداياته سببا في هدمه، والنهي عن إقامة الصلاة فيه ولو من باب تصحيح النوايا واستدراك الأخطاء؛ إنما قطع بأن ما بني على الباطل لا ينبغي أن تقوم فيه:

"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)" [التوبة].

التفكير الحيادي الخالص

(ثم تتفكروا): وتأمل (ثم) حرف التراخي، هذا الذي يعني عدم استعجال عملية التفكير قبل استخلاص العقل، وتوجيه النية لله في التوصل إلى الحق المحض، وتنقية الجو المحيط من الأغراض والأهواء والعوامل المؤثرة على النتيجية، وجمع ما يتمكن من أوراق البحث وأدواته، وهي تشير هنا إلى تلك الخلفية الاجتماعية والشخصية والأخلاقية التي عرفت عن محمد صلى الله عليه وسلم لتكون عونا في تكون صورة واضحة قاطعة عن الدعوة التي جاء بها.

 ثم نشرع في عملية التفكير، وهو كما عرفه الإمام بن عاشور:  (تكلف الفكر وهو العلم).

أو هو العملية الذهنية المعقدة التي يمارسها العقل، لمعالجة المعلومات: (تحليل المعلومات، والربط بين الأفكار، وهو كذلك الأداة الإدراكية التي ينظم بها الإنسان خبراته، وينتقل بها من الملعوم إلى المجهول).

وقد جاء في التفسير الوسيط للشيخ طنطاوي قوله: "ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها، أصبتم الحق، وتخلصتم من الباطل-، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصا، متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في أمر محمد صلّى الله عليه وسلّم وما جاء به.

أما الاثنان: فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى، ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح، والنظر الصحيح على جادة الحق.

وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدل ونصَفَة من غير أن يكابرها، ويعرض فكره على عقله وذهنه، وما استقر عنده من عادات العقلاء، ومجاري أحوالهم. والذي أوجب تفرقهم مثنى وفرادى، أن الاجتماع مما يشوش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول. ومع ذلك يقل الإنصاف ويكثر الاعتساف: ويثور عجاج التعصب.

وقوله- سبحانه-: ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ كلام مستأنف جيء به لتنزيه ساحته صلى الله عليه وسلّم عما افتراه عليه المفترون من كونه قد أصيب بالجنون.

أى: اجتمعوا اثنين اثنين، أو واحدا واحدا، ثم تفكروا بإخلاص وروية فترون بكل تأكيد أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم ليس به شيء من الجنون، إنما هو أرجح الناس عقلا، وأصدقهم قولا، وأفضلهم علما، وأحسنهم عملا، وأزكاهم نفسا، وأنقاهم قلبا، وأجمعهم لكل كمال يشرى.

وهكذا .. يسبق القرآن في إثبات منطق الحق، وإزهاق الحقائق المخلطة المشوشة حتى يجتثها من جذورها فلا تكون لها جذوع ولا فروع، ولا يبنى عليها منطق، ولا يتخذ من خلالها علم ينتفع به أو يعول عليه.

** كاتب مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z