مجنون يعيش آخر أيامه

 

 

 

ماجد بن علي الهادي

"إن رأتني عيونكم ميتا فمعنى ذلك بأنني أتنفس".

يعصي السلوك النفس ويخنق عبراتها إذا ألزمته بمنهجية مخالفة لما ألفته الحياة الفطرية، وتعصيه إذا خان الأُلفة بينه وبين التراتبية العقلية الرصينة، وتثور على الأنماط التقليدية إن كانت مُطوَّقة بجهل فاضح.. وبين الثوران والعصيان تنتهج النفس منهاجا غريبا، يشاكسها العقل بغرابة المنهجية.

أرتالٌ معقدةٌ من المشاعر والأحاسيس المبطنة والظاهرة على حد سواء. جنون يعيشه العقل في صورة عقلانية فاضحة، غباء تستمرؤه النفس وهي تغوص في أعماق الفعل وكنهه. تراكمات تغلي في بوتقات مُتفتَّتة من الأفعال والتصرفات، تمرد غريب وغضب شرس تقوم به النفس على العقل، ويقابلها هو بدوره بترددات وأصداء لا تقل غرابتها أو فظاعتها. فيتهم بالجنون وهو الذي لا يعي تصرفاته في الحقيقة، تلاحقه القهقهات والسخريات من كل حدب وصوب وهو لا ينفك يرسم ابتساماته الساخرة ويوزعها بمجانية على كل مار وساكن. يحاول العقل إخماد تأجج الفهم والاستيعاب المتجاوز حدود الخطوط الحمراء، فيجد نفسه وهو يلتهم الكتب العميقة الفهم؛ يرى مداركه وقد اشرأبَّت في آفاق (كيف، لماذا، ولِمَ). عصيان، انقضاض، هيجان، حرب ضروس، اختناقات، ساحات من المعارك تتداخل مع مساحات ضيقة، تلفها بطوق من عنجهية وعناد وشراسة مهولة، كل ذلك يحدث في العقل وهو محدق في اللاشيء، ومخترق ظلال الخوف والقلق والحيرة والتردد.

يصرخ بأعلى صمته وهو يرنو الى ضجيج العبث العقلي، يفتت صخور الكآبة والقلق بأظافر من الحزن والبؤس والاضطراب. لا تلمحه العيون الا على وقع المهزلة والاستخفاف، لا تدركه الابصار الا وهو يمتطي حصان من خشب، لا تشمئز منه النفوس إلا في روائح النفور والغباء والسذاجة والاستهانة. بينما الحقيقة غير ذلك، الواقع "الشخصي" يناقض ذلك المفهوم؛ فهو المثقف الواعي، المُرتشِف من بحور العلم على مختلف مستوياته ومداركه ومناهجه. هو الذي لا يجرأ على إلحاق أي أذى بحشرة، هو الذي يحاسب نفسه كل يوم وليلة قبل أن تحاسبه النفوس الأخرى. يسقطه سلوكه الكثير من المرات في مواقف هو لا يعيها، بل لا يعرف لماذا كان في وسط تلك الزوبعة وذاك الخيط الملتهب من نار السخرية. تسقطه فطرته في أصداء القهقهات النابعة من أفواه أبت ألا تلاحقه بينما هو يفر منها فرار المصاب بالجدري. دائمًا ما تتردد في استكانة هدوئه "لماذا لا يتركوني في حالي؟!" دائمًا وأبدًا يتمنى في قرارة نفسه أن يفتك به صاروخ أطلق بالخطأ عليه، أو رصاصات صديقة طائشة، أو تدهسه سيارة مسرعة. ألا ويشدد تساؤله لنفسه.. لماذا الموت والفظائع والكوارث والحوادث المؤلمة المميتة، لماذا لا تصيب إلا من هم يعيشون في شغف الحياة، والذين يعتنون بصحتهم وسلامتهم اعتناء الأم برضيعها. بينما لا يفكر بزيارة مثلي، وشرَّواي يستغفر الله ثم يرجع إلى اللف في الدائرة ذاتها، في العنفوان المريب لا غيره، يصارع نفسه والنفس تتلذذ بمراوغته. يتمنى أن تكون حسابات الأيام هذه المرة دقيقة في النيل منه، لأنه يراه في دياجير التشتت الذهني قد وصل مداه، العالم يشتعل بالحروب والصراعات من أجل مصالح وأسباب تافهة (حتى وإن كانت قيمة ومادية غالية في نظر البعض)؛ لأنه يرى نفسه في عيون الثقافات المحتضرة، ويجد روحه في هجير هجران الضمائر لأجسادها الميتة أو التالفة، يستصغر نفسه في شرنقات تخنق أصحابها قبل أن تخنق الغير، بالحسد والحقد والمكائد والضغائن والكراهية والنفاق والتملق.

هي إذن آخر أيامه هكذا يلمحها في عيون الغير قبل أن يستشعرها في قلبه المجروح دائما وأبدا. يرفض الإدراك لأنه لا يدرك، ويتجاهل الاستيعاب لأنه مهمش، ويعصي الأوامر لأنه مرفوض على الدوام، وينأى عن السعادة والهناء لأنه غير مستساغ، ويكره النمط لأنه مترنح في مسارات كلها حفر و"خناخيش ملوثة". ها هو يتلوث ويرمى في أقرب "زبالة".

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z