حسين الراوي
ُثير الدهشة تلك العادة التي باتت شائعة، حين يُصرّ بعض الناس على إبقاء صور أحبّتهم الراحلين حاضرة أمام أعينهم وأعين الآخرين على مدار الساعة، خصوصًا في واجهات التواصل. لا يكتفون بصورة واحدة، بل يجمعون صورًا عدة في إطار واحد، كأن الحزن أصبح معرضًا دائمًا لا يُغلق.
ليس في الحنين ما يُلام، ولا في الوفاء ما يُستنكر، لكن تحويل الفقد إلى حضورٍ دائم بصورٍ معلّقة يفتح بابًا لا ينغلق من استدعاء الألم، ويُبقي القلب عالقًا في لحظة الغياب. ومن اللافت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ»، إدراكًا لما يتركه الحزن في النفس من ثقلٍ واستنزاف؛ فكيف بمن يجعل الحزن حالةً يوميةً يستدعيها بإرادته، ويُجدّد أسبابها أمام عينيه في كل حين؟
وقد قيل: «الأسى يبعث الأسى، والحزن يستدعي الحزن، كما أن الفرح يبذر النشوة في جوانحنا». وهي حقيقة نفسية قبل أن تكون عبارة إنشائية؛ فما نُداوم على استحضاره يتجذّر فينا، وما نُكثر ترديده يتحوّل إلى حالةٍ دائمة في أرواحنا.
إن الوفاء الحقيقي للراحلين لا يكون بتعليق صورهم في الواجهات، ولا بتجديد لحظة الفقد كل يوم، بل بدعوة صادقة في غيبٍ هادئ، وبأثرٍ طيب يُهدى إليهم، وبذكرٍ كريم لا يجرح قلوب من بقي. فكم من دعوةٍ خالصةٍ رفعت قدرًا، وكم من صورةٍ أعادت وجعًا كان في طريقه إلى السكون.
لذلك، فإن الرحمة بالذات وبالآخرين تقتضي أن نُبقي الذكريات في مكانها النبيل: في القلب، لا في العلن؛ في الدعاء، لا في العرض؛ في السكينة، لا في الاستعراض. فالقلوب تُشفى حين تُترك لتتعافى، لا حين تُجبر على استعادة ألمها كل يوم.
وإلى جانب ذلك، برز سلوك آخر لا يقل غرابة، حين تحوّلت بعض “حالات الواتساب” إلى ساحاتٍ للمناوشات الخفية والرسائل المبطّنة، يوجّه فيها أصحابها عباراتٍ حادّة وفديوهات مقصودة إلى الآخرين دون تسمية، وكأنهم يخوضون معارك صامتة على مرأى الجميع.
هذا الأسلوب لا يعكس إلا سخافة في الطرح وضيقًا في الأفق، ويكشف عن قدرٍ واضح من عدم النضج في إدارة الخلافات، إذ تُستبدل المواجهة الواضحة بالحروب الرمزية، ويُستبدل الحوار بالتلميح، فتتحول المساحات الخاصة إلى مسارح استعراض لا تليق بعقولٍ راشدة!
