بعد أن عجزت صواريخها عن الحسم

أمريكا تنقل الحرب إلى شرايين الحياة

 


 

 

خالد بن سالم الغساني

 

اللغة التي استخدمها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، وهو يعلن أحدث حلقات الحرب الاقتصادية على إيران، ليست لغة عقوبات تقليدية؛ فقد تحدث عن قطع كل شريان اقتصادي يُبقي الجمهورية الإسلامية الإيرانية قادرة على الحياة، وعن تضييق الخناق حتى تقف طهران وحيدة، مهددًا الدول والشركات والمؤسسات المالية التي تواصل التعامل معها بعقوبات ثانوية قد تقطعها هي الأخرى عن النظام المالي الأمريكي.

وذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبعد في الاتجاه نفسه، محذرًا من توفير أي شريان حياة لإيران، وواضعًا دول العالم، أمام معادلة قسرية؛ إما الامتثال للإرادة الأمريكية، وإما دفع الثمن.

ما يجري خلال هذه المرحلة الجديدة من العدوان والجبروت الأمريكي، توقف عن كونه خلافًا حول البرنامج النووي الإيراني، وهو لا يعد جولة أخرى من سياسة الضغط الأقصى. نحن أمام فرض قوة استخدام التفوق الأمريكي في النظام المالي العالمي لإخضاع دولة رفضت الشروط التي لم تستطع الحرب فرضها عليها.

لقد فعلت الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأشهر الماضية ما أتاحته لهما ترسانتهما العسكرية والتدميرية الهائلة؛ حيث ضُربت منشآت وقواعد وبنى عسكرية ونووية، واغتيلت قيادات في رأس الدولة ومؤسساتها الدينية والسياسية والعسكرية، إلى جانب شخصيات علمية بارزة، واستُخدم التفوق الجوي والتكنولوجي والاستخباراتي لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بإيران.

لكن الصاروخ، رغم قدرته على التدمير، عجز عن إنتاج النتيجة السياسية المطلوبة.

تلقت إيران ضربات موجعة، لكنها لم تستسلم. بقيت الدولة قائمة، واستمرت مؤسساتها الأساسية في العمل، ولم تتحقق الرهانات على انهيار النظام من الداخل، كما لم تستطع القوة العسكرية انتزاع قرار إيراني بالخضوع للشروط الأمريكية والإسرائيلية.

وفي المقابل، استطاعت إيران أن توجع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن تلحق بالقواعد الأمريكية والمنشآت العسكرية الإسرائيلية أضرارًا أظهرت أن الحرب لم تكن، كما أُريد لها، طريقًا باتجاه واحد.

ومن هنا انتقلت المعركة من محاولة تدمير القدرة الإيرانية إلى محاولة خنق الإرادة الإيرانية؛ فلم تعد المنشأة العسكرية وحدها هي الهدف. أصبح النفط والمصرف والناقلة وشركة التأمين ومكتب الصرافة وشبكات تحويل الأموال أهدافًا في حرب تريد في نهاية المطاف، الوصول إلى المجتمع الإيراني نفسه.

النفط الذي لا تستطيع إيران بيعه يعني عملة صعبة أقل، وتراجع العملة الصعبة يعني ضغطًا أكبر على الريال والواردات والموازنة، ثم ارتفاعًا في الأسعار وتراجعًا في مستوى المعيشة. وهكذا تنتقل الحرب من السماء والبحر إلى السوق والبيت الإيراني.

وحين تستخدم دولة هيمنتها على النظام المالي العالمي لتهديد دولة ثالثة لأنها تتاجر مع إيران، فإن العقوبة لا تعود موجهة إلى طهران وحدها؛ بل تتحول إلى أداة لإجبار الآخرين على تنفيذ السياسة الأمريكية. وحين يصبح المطلوب منع دولة من بيع نفطها وشراء احتياجاتها والوصول إلى أموالها، فإن المدني الإيراني يصبح، مهما قيل عن العقوبات الموجهة، جزءًا من ميدان الحرب.

إنها صورة حديثة من سياسات الإخضاع التي عرفها العالم في مراحل مختلفة. لم تعد القوى المهيمنة تحتاج دائمًا إلى احتلال الأرض كي تفرض إرادتها؛ يكفي أحيانًا التحكم في طرق التجارة والمال والتكنولوجيا، ثم استخدام هذا التفوق لإجبار الدول الأخرى على الامتثال.

وفي الحالة الإيرانية، يتداخل هذا الضغط الأمريكي مع مشروع إسرائيلي أوسع يسعى إلى تثبيت تفوق إسرائيل الإقليمي ومنع قيام قوة قادرة على موازنته. ومن هنا يصعب فصل الحرب على إيران عن الصراع على شكل الشرق الأوسط نفسه: هل يكون فضاءً تقرر شعوبه ودوله توازناته، أم منطقة يُعاد ترتيبها وفق ميزان القوة الذي تريد واشنطن وتل أبيب فرضه؟

ليس في ذلك ما يعني أن السياسات الإيرانية فوق النقد، أو أن طهران لم ترتكب أخطاء في الداخل والخارج. لكن الخلاف مع سياسات دولة شيء، ومنح قوة خارجية حق قصفها وحصار شعبها ومحاولة تقرير النظام السياسي الذي ينبغي أن يحكمها شيء آخر تمامًا.

والدفاع عن حق الإيرانيين في تقرير مستقبلهم لا يستلزم الدفاع عن كل ما تفعله حكومتهم، كما أن رفض الهيمنة الأمريكية والتوسع الإسرائيلي لا يعني تجاهل التناقضات والأزمات داخل إيران. المسألة هنا أبسط وأعمق: من يملك حق تقرير مستقبل إيران؟ الإيرانيون، أم الصواريخ والعقوبات القادمة من الخارج؟

لقد عاشت إيران أكثر من 4 عقود تحت العقوبات، وطوَّرت خلالها شبكات واسعة للالتفاف عليها، فيما تمثل الصين الثغرة الكبرى في أي محاولة لعزلها بالكامل. ولن يكون من السهل تحقيق العزلة الكاملة التي تسعى إليها واشنطن. بل إن الضغط قد يأتي بنتيجة معاكسة؛ فالشعوب لا تستجيب دائمًا للحصار بالطريقة التي يتوقعها من يفرضه. وقد يؤدي شعور الإيرانيين بأن بلادهم تتعرض لحرب تستهدف وجودها واستقلال قرارها إلى تقوية الشعور الوطني بدل تفكيكه، وإلى دفع الخلافات الداخلية إلى مرتبة ثانية أمام الخطر الخارجي.

وقد شاهد العالم الملايين التي خرجت لتشييع الإمام خامنئي بعد اغتياله بالصواريخ الأمريكية، وامتلأت بها شوارع وساحات المدن الإيرانية، في مشهد قدّم واحدًا من أبرز الشواهد على حجم الشعور الوطني الذي فجّرته الحرب.

وهنا تكمن المعضلة التي تواجه واشنطن وتل أبيب. لقد استطاعتا إلحاق أضرار كبيرة بإيران، لكنهما لم تستطيعا تحويل التفوق العسكري إلى استسلام سياسي. ولذلك يجري استدعاء الدولار والنفط والمصارف لإنجاز المهمة التي عجزت الصواريخ عن إنجازها.

في كثير من الأحيان يكون أخطر ما تفعله القوة المتفوقة أنها تدفع خصمها إلى الاعتقاد بأنه لم يعد لديه ما يخسره، ويصبح السؤال حينها أكبر من إيران نفسها. فإذا أصبح من حق القوة الأكبر أن تقصف دولة لأنها ترفض شروطها، ثم تحاصر اقتصادها لأنها لم تستسلم للقصف، وتهدد بقية العالم لأنه يرفض المشاركة في حصارها، فإن القضية لم تعد البرنامج النووي الإيراني وحده.

إنَّها قضية النظام الدولي الذي نريد أن نعيش فيه؛ نظام تحكمه سيادة الدول والقانون، أم عالم تعود فيه القوة، عسكرية كانت أو مالية، لتقرر من يحق له أن يقف ومن يجب أن يركع؟

الأكثر قراءة

z