الطليعة الشحرية
لم تعد التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي تقتصر على انتقال التجارة من الأسواق التقليدية إلى المنصات الإلكترونية، بل تتجه بصورة مُتسارعة نحو إعادة تعريف مفهوم التجارة ذاته. فإلى جانب حركة السلع ورؤوس الأموال، أصبحت البيانات والخوارزميات والبنية الأساسية الرقمية عناصر رئيسية في إنتاج القيمة وتوزيعها، وباتت القدرة على إدارة تدفقات البيانات ومُعالجتها لا تقل أهمية عن القدرة على إدارة الموانئ وسلاسل الإمداد وشبكات النقل.
من هذا المنظور، يمكن قراءة افتتاح الدورة الخامسة للمعرض العالمي للتجارة الرقمية في الصين بوصفه جزءًا من تحول أوسع يتجاوز حدود المعارض التقنية والتجارية. فما يُعرض من تطبيقات للذكاء الاصطناعي، ومنصات رقمية، وحلول للتجارة العابرة للحدود، وتقنيات للحوسبة والخدمات الذكية، يعكس اتجاهًا عالميًا تتداخل فيه التجارة بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا بالبيانات، والبيانات بقضايا السيادة والحوكمة.
وهذا التداخل هو الذي يجعل التجارة الرقمية واحدة من أكثر ساحات الاقتصاد العالمي أهمية خلال المرحلة المقبلة.
على امتداد التاريخ، ارتبطت قوة الاقتصادات بقدرتها على الوصول إلى الأسواق والسيطرة على شبكات النقل والإنتاج. كانت الموانئ والطرق والأساطيل التجارية، ثم السكك الحديدية والمصانع وشبكات الطاقة، من أهم مقومات القوة الاقتصادية.
هذه العناصر لم تفقد أهميتها، إلا أن بنية موازية أخذت تتشكل إلى جانبها: الكابلات البحرية، والألياف الضوئية، وشبكات الاتصالات، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والأقمار الصناعية، ومنصات التجارة الإلكترونية، وأنظمة الدفع الرقمي.
وهكذا لم يعد الطريق التجاري مجرد ممر تتحرك عبره البضائع، بل أصبح كذلك شبكة تنتقل عبرها البيانات.
فصفقة تجارية عابرة للحدود قد تبدأ اليوم قبل تصنيع المنتج نفسه؛ عندما تستخدم الشركات البيانات للتنبؤ بالطلب، وتحديد الأسواق المستهدفة، وتصميم المنتج وتسعيره، ثم تستخدم المنصات الرقمية للوصول إلى المستهلك، والخوارزميات لإدارة الإعلان والتوصية، والأنظمة الرقمية للدفع، والبيانات مرة أخرى لإدارة المخزون والنقل والتوزيع.
بهذا المعنى، أصبحت البيانات جزءًا من سلسلة القيمة وليست مجرد أثر جانبي للعملية التجارية.
وضمن هذا التحول يبرز مفهوم طريق الحرير الرقمي باعتباره أحد الأبعاد المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق الصينية؛ فإذا كان طريق الحرير التاريخي قد ارتبط بحركة البضائع والأشخاص والأفكار بين الشرق والغرب، فإن الطريق الرقمي يرتبط ببنية مختلفة: شبكات الاتصال، والكابلات، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، والتجارة الإلكترونية، وأنظمة الملاحة والاتصالات الفضائية، وغيرها من مكونات الاقتصاد الرقمي.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الاستثمار في البنية الرقمية لا يقتصر أثره على تحسين الاتصال، بل يمتد إلى تشكيل البيئة التي تعمل من خلالها التجارة والخدمات والاستثمارات مستقبلًا.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الصيني المتزايد بالتجارة الرقمية ضمن سياق أوسع من التحول الاقتصادي. فالصين التي ارتبط صعودها خلال العقود الماضية بقوة التصنيع والتصدير وتطوير البنية الأساسية، تسعى بالتوازي إلى تعزيز حضورها في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد المادي يفقد أهميته؛ بل إن الحدود بين الاقتصادين المادي والرقمي أصبحت أقل وضوحًا. المصنع نفسه أصبح يعتمد على البيانات، والميناء أصبح أكثر ارتباطًا بالأنظمة الذكية، وسلسلة الإمداد أصبحت شبكة معلومات بقدر ما هي شبكة نقل.
غير أن توسع التجارة الرقمية يقود إلى قضية أكثر حساسية؛ حوكمة البيانات؛ فكل معاملة رقمية تنتج بيانات، وكل منصة تجمع بيانات، وكل نظام ذكاء اصطناعي يحتاج إلى كميات كبيرة منها لكي يعمل ويتطور. ولذلك تتحول البيانات تدريجيًا من مجرد مدخل تقني إلى أصل اقتصادي واستراتيجي.
وهنا تظهر مجموعة من القضايا التي ستصبح أكثر حضورًا في السياسات الاقتصادية للدول: ملكية البيانات، ومكان تخزينها، وضوابط الوصول إليها، وانتقالها عبر الحدود، وحماية الخصوصية، والأمن السيبراني، واستخدام البيانات في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
فإذا كانت منظمة التجارة العالمية والنظم التجارية التقليدية قد انشغلت لعقود بالتعرفة الجمركية، وحركة السلع والخدمات، وفتح الأسواق، فإن الاقتصاد الرقمي يضيف إلى هذه المنظومة أسئلة جديدة تتعلق بتدفقات البيانات والخدمات الرقمية والمنصات العابرة للحدود.
ومن هنا تصبح حوكمة البيانات أحد المكونات الأساسية لحوكمة الاقتصاد العالمي نفسه.
والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سلسلة القيمة ويضيف الذكاء الاصطناعي مستوى آخر من التحول؛ فقيمة البيانات لا تتحدد بحجمها فقط، وإنما بالقدرة على تحويلها إلى معرفة وقرار. وهذه هي النقطة التي تلتقي فيها البيانات بالحوسبة والخوارزميات.
الذكاء الاصطناعي يدخل بصورة متزايدة في تحليل الأسواق، والتنبؤ بالطلب، وإدارة المخزون، وتحسين الخدمات اللوجستية، والترجمة الفورية، وخدمة العملاء، والتسويق، وتقييم المخاطر، وتطوير المنتجات.
وقد يؤدي ذلك إلى خفض بعض الحواجز أمام الشركات الراغبة في الوصول إلى أسواق جديدة، لكنه في الوقت ذاته يرفع أهمية امتلاك القدرات التقنية والبنية الحاسوبية والبيانات اللازمة للمنافسة.
وبذلك لم تعد الفجوة الاقتصادية بين الدول مرتبطة فقط بقدراتها الصناعية أو المالية؛ فهناك فجوة أخرى تتشكل حول القدرة على إنتاج البيانات ومعالجتها وتطوير الخوارزميات والبنية الرقمية التي تعمل من خلالها.
هناك بعد آخر ربما لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به التقنيات المرئية، لكنه شديد الأهمية: المعايير والقواعد التقنية والتنظيمية.
فكلما أصبحت الاقتصادات أكثر ترابطًا رقميًا، ازدادت الحاجة إلى معايير تسمح للأنظمة والمنصات والشبكات بالعمل والتواصل فيما بينها. ومن هنا تصبح المشاركة في صياغة المعايير الدولية عنصرًا من عناصر النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي.
فالولايات المتحدة تتمتع بثقل كبير لشركاتها في المنصات والحوسبة والرقائق والذكاء الاصطناعي، بينما طور الاتحاد الأوروبي حضورًا تنظيميًا مؤثرًا في مجالات الخصوصية والأسواق الرقمية والذكاء الاصطناعي، في حين تعمل الصين على توسيع قدراتها في البنية الأساسية الرقمية والاتصالات والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مشاركتها في المؤسسات والمنتديات المعنية بالمعايير والحوكمة الرقمية.
ومن ثم فإن المنافسة الدولية في الاقتصاد الرقمي لا تدور فقط حول من ينتج التكنولوجيا، بل أيضًا حول القواعد التي ستنظم استخدامها وانتقالها بين الأسواق.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الدولة قد تستخدم أحدث التقنيات، لكنها تظل في موقع المتلقي إذا لم تمتلك القدرة المؤسسية والعلمية للمشاركة في صياغة الأطر التي تحكمها.
بالنسبة إلى الدول العربية، وخصوصًا دول الخليج، يحمل هذا التحول فرصًا وتحديات في آنٍ واحد.
فالمنطقة تمتلك موقعًا استراتيجيًا بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، إضافة إلى قدرات استثمارية متنامية وبنية اتصالات متطورة في عدد من دولها، واستثمارات متسارعة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
لكن القيمة المستقبلية لهذه المقومات ستعتمد على الكيفية التي تُدمج بها في استراتيجية اقتصادية أشمل؛ فالتحول الرقمي لا يتحقق باستيراد التقنيات وحدها، ولا بكثرة التطبيقات والمنصات، وإنما ببناء منظومة تشمل البنية الأساسية، والتشريعات، وحوكمة البيانات، ورأس المال البشري، والبحث والتطوير، والأمن السيبراني، والقدرة على تأسيس شركات رقمية قادرة على المنافسة خارج السوق المحلية.
كما أن العلاقة الاقتصادية المتنامية بين الخليج وآسيا تجعل من الضروري النظر إلى طريق الحرير الرقمي ليس فقط بوصفه مشروعًا صينيًا للتوسع في البنية الرقمية، وإنما باعتباره أحد المسارات التي يمكن من خلالها إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية بين آسيا والمنطقة.
بالنسبة إلى سلطنة عُمان، يكتسب هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها التاريخي والجغرافي على طرق التجارة البحرية.
غير أن الموقع في الاقتصاد الرقمي لا يُقاس بالمسافة من الممرات البحرية وحدها؛ فالدولة التي تستطيع استضافة البنية الرقمية، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، وربط الكابلات الدولية، وتطوير بيئة موثوقة لتدفق البيانات والاستثمارات الرقمية، تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية جديدة.
ومن هنا يمكن النظر إلى الموانئ والمناطق الاقتصادية وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات ليس باعتبارها قطاعات منفصلة، وإنما مكونات لمنظومة واحدة.
فالسلعة التي تصل إلى ميناء ذكي تحمل معها سلسلة ضخمة من البيانات، والشركة التي تعمل في منطقة اقتصادية تحتاج إلى بنية سحابية وأنظمة دفع واتصال وحماية سيبرانية، والتجارة العابرة للحدود تحتاج إلى أطر واضحة لتنظيم البيانات والثقة الرقمية.
وبالتالي فإن الفرصة بالنسبة إلى عُمان لا تقتصر على أن تكون محطة في طرق التجارة التقليدية، وإنما أن تستثمر موقعها وعلاقاتها وشبكاتها لتصبح جزءًا من البنية الرقمية التي تربط الأسواق المحيطة بالمحيط الهندي والخليج وشرق أفريقيا وآسيا.
وتكشف التحولات التي تظهر في معارض التجارة الرقمية الكبرى عن مرحلة تتغير فيها مصادر القيمة الاقتصادية بصورة عميقة؛ فالموانئ ستظل مهمة، والمصانع ستظل ضرورية، والطاقة ستظل عنصرًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي، لكن إلى جانبها تتشكل أصول جديدة للقوة الاقتصادية؛ البيانات، والحوسبة، والخوارزميات، والمنصات، والشبكات، والمعايير.
ولذلك فإن التحدي أمام الاقتصادات الناشئة لا يتمثل في اللحاق بالتكنولوجيا باعتبارها منتجات ينبغي شراؤها، وإنما في تحديد الموقع الذي تريد أن تشغله داخل سلسلة القيمة الرقمية.
هل تكون سوقًا للتقنيات؟ أم مركزًا لاستضافة البيانات؟ أم منصة للتجارة الرقمية؟ أم بيئة لتطوير التطبيقات والذكاء الاصطناعي؟ أم شريكًا في وضع المعايير والقواعد؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح افتتاح الدورة الخامسة للمعرض العالمي للتجارة الرقمية دلالته الأوسع.
خلف الشاشات والمنصات والروبوتات المعروضة، تتشكل بنية اقتصادية جديدة بهدوء. وكما أعادت طرق التجارة القديمة رسم خرائط النفوذ والثروة بين الحضارات، فإن طرق البيانات قد تعيد خلال العقود المقبلة رسم جزء من خريطة الاقتصاد العالمي. ولهذا ربما لم يعد السؤال الأهم هو؛ من يمر عبر طريق الحرير الرقمي؟ بل من يستطيع أن ينتج القيمة على امتداده، ومن يشارك في كتابة القواعد التي تحكمه؟
