سليمان بن سعود الجابري
حين تفتح المدارس أبوابها في مطلع عام دراسي جديد فإن الذي يعود إليها ليس الطلبة والمعلمون وحدهم. تعود معها الآمال وتتجدد المسؤوليات وتبدأ فرصة جديدة لمراجعة معنى المدرسة ذاتها. فالمدرسة التي نحتاجها اليوم ليست مكانا يعيد إنتاج العام السابق بتفاصيله نفسها. بل مؤسسة حية تتعلم من تجربتها وتراجع أولوياتها وتعيد بناء أدواتها كلما تغير الطالب وتغير المجتمع وتغير العالم من حوله.
إن التعليم في جوهره ليس حركة إدارية تتكاثر حولها النماذج والإجراءات. التعليم فعل إنساني عظيم. والمعلم هو القلب النابض لهذا الفعل. وكلما منحناه مساحة أوسع للتفكير والتخطيط والتأمل والابتكار اقتربنا من مدرسة أكثر قدرة على صناعة الإنسان.
ولعل من أهم التحولات التي يحتاجها الميدان التعليمي اليوم أن ننتقل من ثقافة قياس العمل بحجمه إلى ثقافة قياسه بأثره. ليس السؤال كم نفذنا. بل ماذا تغير في تعلم الطالب. وليس السؤال كم مبادرة أطلقنا. بل كم مشكلة تعليمية حقيقية استطعنا معالجتها. وليس السؤال كم ورقة وثقنا. بل كم فكرة نمت. وكم مهارة ترسخت. وكم طالبا وجد طريقه إلى الفهم بعد أن كان متعثرا فيه.
المدرسة الحديثة لا تحتاج مزيدا من الازدحام بقدر حاجتها إلى مزيد من الوضوح. تحتاج أن تعرف ما الذي يستحق وقت المعلم. وما الذي يمكن اختصاره. وما الذي ينبغي إعادة تصميمه. وما الذي يمكن أن يتولاه مختص آخر حتى يبقى المعلم قريبا من مهمته الكبرى وهي التعليم.
المعلم الذي يدخل إلى صفه بعد يوم استهلكته الأعمال المتفرقة ليس هو المعلم نفسه الذي يدخل وقد امتلك وقتا للتخطيط وقرأ احتياجات طلابه وأعد خيارات متعددة للتعلم وفكر في الطالب الذي يحتاج دعما إضافيا والطالب الذي يحتاج تحديا أكبر.
ولهذا فإن حماية وقت المعلم ليست قضية رفاه وظيفي. إنها قضية جودة تعليم. وكل دقيقة نستعيدها للمعلم من عمل يمكن تبسيطه أو رقمنته أو إعادة توزيعه هي دقيقة يمكن أن تتحول إلى فكرة أفضل داخل الصف. أو سؤال أعمق. أو معالجة فجوة تعليمية. أو حوار تربوي قد يغير مسار طالب بأكمله.
نحن بحاجة إلى مدرسة لا يعمل فيها الجميع أكثر فقط. بل يعمل فيها الجميع بذكاء أكبر.
ومن هنا تبدو مراجعة توزيع الأدوار داخل المدرسة قضية تربوية تستحق النظر. فليس كل عمل موجود في المدرسة يجب أن يقوم به المعلم. والأعمال الإدارية والتنظيمية والتوثيقية تحتاج إلى هندسة جديدة تنطلق من سؤال مهني واضح. من هو الشخص الأنسب لأداء هذا العمل. وحين نضع كل مهمة في يد صاحب الاختصاص فإننا لا نخفف المسؤولية عن أحد. بل نرفع كفاءة المؤسسة بأكملها.
وهنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الوظائف المساندة داخل المدارس وإلى دراسة توسيع حضور المعلم المساعد والدعم التعليمي المتخصص خصوصا في الصفوف التي تتنوع فيها مستويات الطلبة واحتياجاتهم. فوجود معلم مساعد مؤهل لا ينتقص من دور المعلم. بل يمنحه قدرة أعمق على الوصول إلى كل طالب. يساعد مجموعة صغيرة. ويتابع طالبا متعثرا. ويساند نشاطا تعليميا. ويمنح المعلم مساحة أكبر للتعامل مع صف لم يعد ممكنا النظر إلى طلابه على أنهم يتعلمون بالطريقة نفسها وفي الزمن نفسه.
إن العدالة التعليمية لا تعني أن نقدم للجميع الشيء نفسه. بل أن نوفر لكل طالب ما يساعده على الوصول إلى أفضل ما يستطيع أن يكونه.
ومن القضايا التي أرى أنها تستحق أن تدخل دائرة النقاش التربوي الجاد أيضا قضية توزيع الخبرة التعليمية بين المراحل الدراسية؛ فالموارد البشرية في التعليم لا ينبغي أن تنظر إليها المؤسسة بوصفها أرقاما موزعة على المدارس. بل بوصفها رأسمالا معرفيا وخبرة تراكمية يجب أن توضع في المكان الذي تحدث فيه أكبر أثر ممكن.
وهنا يمكن دراسة نموذج أكثر مرونة في حركة المعلمين بين المراحل. نموذج يمنح مدارس الحلقة الثانية نصيبا أكبر من المعلمين أصحاب الخبرة التربوية العميقة. ليس باعتبار هذه المرحلة أقل مستوى من غيرها. بل لأنها واحدة من أكثر المراحل حساسية في تكوين المتعلم.
الطالب في الحلقة الثانية يقف في منطقة تربوية دقيقة. لم يعد طفلا صغيرا. ولم يصل بعد إلى مرحلة النضج الأكاديمي الكامل. وفي هذه السنوات تتشكل اتجاهاته نحو التعلم. ويبدأ وعيه بذاته. وتتسع الفروق بين الطلبة. وتظهر بصورة أوضح آثار الفجوات التي تراكمت في المراحل السابقة.
ولهذا فإن وجود معلم ذي خبرة في هذه المرحلة قد يكون ذا أثر مضاعف. فالمعلم الخبير لا يقرأ الكتاب فقط. بل يقرأ الطالب. يعرف متى يتقدم. ومتى يتوقف. ومتى يغير طريقته. ويستطيع أن يميز بين ضعف الفهم وضعف الدافعية. وبين مشكلة أكاديمية ومشكلة نفسية أو اجتماعية تظهر في صورة تعثر تعليمي.
الخبرة هنا ليست عدد سنوات في الخدمة. الخبرة الحقيقية هي قدرة المعلم على تحويل معرفته المتراكمة إلى قرارات تعليمية دقيقة داخل الصف.
ومن هذا المنطلق يمكن التفكير في جعل مدارس الحلقة الثانية بيئات أكثر جذبا للخبرات المتميزة. بحيث ينتقل إليها جزء من المعلمين ذوي الممارسة الراسخة ممن يستطيعون أن يقودوا التعلم وأن يحتضنوا زملاءهم وأن يسهموا في بناء مجتمعات مهنية داخل المدرسة.
وقد يكون من المفيد كذلك ألا ينظر إلى هذا الانتقال بوصفه حركة إدارية تقليدية. بل بوصفه مشروعا لنقل المعرفة بين المدارس. فحين ينتقل معلم خبير ينبغي أن تنتقل معه خبرته. أساليبه. وأدواته. وطريقته في تحليل نتائج الطلبة. وخبرته في إدارة المواقف الصفية. وقدرته على بناء العلاقات.
وهكذا تتحول حركة المعلمين من نقل أفراد إلى تداول للمعرفة المهنية داخل النظام التعليمي.
وفي المقابل يمكن أن تشكل مدارس ما بعد الأساسي بيئة مهمة لاستقبال جزء من المعلمين الجدد إذا بني ذلك وفق تصور مهني دقيق لا يترك المعلم الجديد وحده أمام مسؤولياته.
المعلم الجديد يأتي إلى الميدان بطاقة عالية. ومعرفة حديثة. وقرب أكبر من التقنيات الجديدة. واستعداد للتجريب. وقدرة على التعلم السريع. وهذه عناصر ثمينة ينبغي ألا نسمح بأن تستهلك في بدايات الخدمة تحت ضغط الإجراءات أو غياب التوجيه.
لكن وضع المعلم الجديد في مدارس ما بعد الأساسي لا ينبغي أن يكون نقلا مكانيا فقط. بل بداية لمسار مهني منظم.
المعلم الجديد يحتاج في سنواته الأولى إلى معلم مرشد. وإلى قائد مدرسة يعرف كيف يبني الكفاءة لا كيف يختبرها فقط. وإلى وقت للملاحظة الصفية. وإلى تغذية راجعة منتظمة. وإلى فرصة ليرى كيف يعمل المعلم المتمكن قبل أن يطلب منه أن يصنع تجربته منفردا.
وهنا يمكن بناء نموذج يقوم على المعلم الجديد والمعلم الخبير في شراكة مهنية مستمرة حتى وإن كانا يعملان في مدرستين مختلفتين. فيزور المعلم الجديد حصصا نموذجية. ويناقش ممارسته مع خبير. ويحلل معه نتائج طلبته. ويتلقى منه توجيها عمليا لا يقوم على إعطائه الإجابات الجاهزة؛ بل على مساعدته في بناء حكمه المهني الخاص؛ فأقوى النظم التعليمية ليست التي تجمع أكبر عدد من المعلمين ذوي المؤهلات فقط. بل التي تعرف كيف تحول خبرة معلم إلى معرفة يستفيد منها معلم آخر.
ومن هنا فإن قضية توزيع المعلمين بين الحلقة الثانية وما بعد الأساسي ينبغي ألا تبنى على مبدأ أن الخبرة تذهب إلى مرحلة والمبتدئ إلى مرحلة أخرى بصورة آلية. وإنما على فلسفة أعمق تقوم على وضع الخبرة حيث تكون الحاجة التعليمية أكبر مع بناء مسار آمن ومحفز لنمو المعلم الجديد.
المرحلة التي تعاني فجوات تعلم تحتاج إلى خبرة. والمرحلة التي تستقبل معلما جديدا تحتاج إلى منظومة احتضان مهني. والمدرسة التي تضم خبرات متقدمة ينبغي أن تتحول إلى مركز لنقل المعرفة لا إلى مكان تبقى فيه الخبرة حبيسة الصفوف.
وبهذه الرؤية يمكن أن نعيد تعريف التنقلات المدرسية ذاتها. فلا تكون مجرد سد للشواغر. بل أداة استراتيجية لبناء جودة التعليم.
ويمكن أن نعرف أين توجد الخبرات. وأين توجد التحديات التعليمية. وأين تحتاج المدارس إلى قيادة تخصصية. ثم نبني حركة الكفاءات على قراءة تربوية للبيانات لا على الاعتبارات العددية وحدها.
وهذا التفكير ينسجم مع مفهوم حديث في إدارة التعليم يمكن تلخيصه في فكرة بسيطة. أفضل معلم لا ينبغي أن يكون فقط في المكان الذي اعتاد العمل فيه. بل في المكان الذي تستطيع خبرته أن تصنع فيه أكبر قيمة تعليمية.
وفي الوقت نفسه فإن التخطيط يحتاج إلى أن يستعيد مكانته الحقيقية في يوم المعلم. فالتخطيط ليس ورقة تكتب قبل الحصة. إنه تفكير مهني متصل.
ماذا تعلم طلابي بالأمس. ماذا لم يفهموا. ما السؤال الذي سيكشف لي حقيقة فهمهم. من يحتاج إلى طريقة مختلفة. وما الخطوة التالية التي يحتاجها كل طالب.
حين يصبح هذا التفكير جزءا أصيلا من زمن العمل المدرسي تصبح الحصة أكثر حيوية ويصبح القرار التعليمي أكثر دقة.
ولذلك فإن من القرارات التي يمكن أن تصنع تحولا نوعيا في مدارسنا تخصيص وقت مهني واضح ومحمي للتخطيط المشترك وتحليل تعلم الطلبة وبناء الدروس ومراجعة الممارسات. ليس اجتماعا جديدا يضاف إلى قائمة الاجتماعات. بل وقت عمل تربوي حقيقي يجلس فيه المعلمون حول تعلم طلابهم. يتحدثون عن الأدلة لا الانطباعات. وعن الحلول لا الأعذار. وعن المستقبل لا عن تكرار الماضي.
وهنا تتجلى قيمة مجتمعات التعلم المهنية؛ فالمدرسة القوية لا تجعل المعلم جزيرة منعزلة داخل صفه. بل تبني حوله عقلا تربويا جماعيا. معلم يتعلم من معلم. وقائد مدرسة يتعلم من فريقه. وخبرة ناجحة تنتقل من صف إلى آخر. ومشكلة تعليمية لا تبقى مسؤولية فرد واحد.
وعندما يصبح التعلم ثقافة للكبار داخل المدرسة يصبح أكثر قوة لدى الصغار.
ومن القضايا التي تستحق مراجعة واعية كذلك كثافة المبادرات والفعاليات؛ فالمبادرة التعليمية قيمة حين تعالج حاجة فعلية وتضيف معنى جديدا وتحدث أثرا يمكن ملاحظته. لكنها تفقد قيمتها حين تتحول إلى غاية مستقلة عن التعلم.
ليس المطلوب أن تتوقف المدارس عن المبادرة. بل أن تصبح المبادرات أكثر ذكاء وانتقائية ونضجا.
وقبل أن نضيف أي برنامج علينا أن نسأل. ما المشكلة التي سيحلها. وما أثره على تعلم الطالب. وهل يمكن دمجه في عمل قائم. وهل يستحق الوقت الذي سيأخذه من المعلم والطالب.
وفي أحيان كثيرة يكون القرار التربوي الحكيم هو أن نفعل أقل ولكن بجودة أعلى؛ فليس كل ما يمكن تنفيذه يجب تنفيذه. وليس كل جديد تجديدا. التجديد الحقيقي هو ما يجعل تجربة التعلم أعمق وأكثر إنسانية وأكثر اتصالا بحياة الطالب ومستقبله.
ويصل بنا ذلك إلى قضية المناهج. فنجاح المنهج لا يقاس بقدرة المعلم على إنهاء صفحاته. بل بقدرة الطالب على فهم أفكاره واستخدامها ونقل أثرها إلى مواقف جديدة.
الفرق كبير بين أن يمر الطالب على المعرفة وأن تمر المعرفة إلى داخله.
ولهذا فإن مراجعة كثافة المحتوى وتحديد المفاهيم الأساسية ومنح مساحة أكبر للتطبيق والحوار والتجربة وحل المشكلات ليست دعوة إلى تقليل مستوى التعليم. بل دعوة إلى تعميقه؛ فالعالم اليوم لا يحتاج طالبا يحمل كما كبيرا من المعلومات ثم يعجز عن توظيفها. يحتاج طالبا يعرف كيف يفكر. وكيف يسأل. وكيف يتحقق. وكيف يتعلم من خطئه. وكيف يعمل مع الآخرين. وكيف يبني موقفه على معرفة.
وإذا أردنا طالبا بهذه الصفات فعلينا أن نعطي معلمه المساحة ليعلم بهذه الروح.
أما التقييم فيحتاج هو الآخر إلى أن يستعيد فلسفته.
التقييم ليس محكمة للممارسة. إنه مرآة تساعدنا على رؤيتها بوضوح.
والمعلم لا يحتاج إلى من يبحث عن خطئه بقدر حاجته إلى من يساعده على اكتشاف فرص نموه. لذلك فإن التقييم المهني الأكثر أثرا هو الذي يقترب من الصف ومن الحوار ومن التغذية الراجعة الصادقة.
حين يصبح التقييم رحلة نمو تتحول المدرسة من بيئة تخشى الملاحظة إلى بيئة تتعلم منها.
وهناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أي مشروع لتطوير التعليم. صحة المعلم المهنية والنفسية جزء من جودة التعليم وليست قضية جانبية.
المعلم لا يترك إنسانيته عند باب الصف. يدخل بطاقته ومشاعره ودرجة رضاه وإحساسه بالتقدير وعدالة بيئته المهنية. وحين تتراكم الضغوط بصورة مستمرة فإن أثرها لا يتوقف عند المعلم. بل يصل بصورة أو بأخرى إلى الطالب.
ولهذا فإن البيئة التعليمية التي نطمح إليها ليست بيئة تخلو من المسؤولية أو الجهد. بل بيئة يتوازن فيها العطاء مع الدعم. ويقابل فيها الإنجاز بالتقدير. ويجد فيها المعلم صوتا يسمعه. وفرصة مهنية تنميه. وقيادة تثق به. ونظاما يحميه من الاستنزاف غير الضروري.
نحن لا نريد معلما موجودا في الصف فقط. نريد معلما حاضرا. حاضرا بعقله. وبقلبه. وبفضوله المهني. وبقدرته على أن يلتقط ذلك السؤال الخافت من طالب متردد. وأن يلاحظ موهبة لم ينتبه إليها أحد. وأن يعيد المحاولة مع طالب لم تنجح معه المحاولة الأولى.
وهنا يظهر جوهر القيادة المدرسية الحديثة؛ فمدير المدرسة ليس مديرا للمبنى ولا موزعا للمهام فقط. إنه قائد للتعلم. وحارس لثقافة المدرسة. وصانع للبيئة التي يعمل فيها الآخرون.
والقيادة الحقيقية ليست في أن يعرف القائد كل الإجابات. بل في أن يصنع مؤسسة تستطيع أن تطرح الأسئلة الصحيحة وتبحث عن الإجابات معا.
القائد الناجح يحمي وقت المعلم. ويقترب من الصفوف. ويقرأ المؤشرات بعين تربوية. ويحتفي بالتحسن. ويمنح الثقة. ويعالج الخلل بحكمة. ويجعل كل فرد في المدرسة يشعر أن له قيمة في نجاح الطالب.
وفي المقابل فإن المسؤولية عن التعليم لا تقف عند أسوار المدرسة؛ فالمجتمع شريك لا متفرج. والأسرة ليست جهة تستدعى عندما تظهر المشكلة. إنها جزء أصيل من عملية التعلم. ومؤسسات المجتمع ليست موردا ماليا فحسب. إنها مصدر خبرة وفرص وتجارب ومساحات يمكن أن تجعل المدرسة أكثر اتصالا بالحياة.
ونستطيع أن نبني شراكات تجعل الطالب يرى تطبيق ما يتعلمه في مؤسسات مجتمعه. ويستمع إلى أصحاب الخبرة. ويشارك في مشروعات حقيقية. ويشعر أن المعرفة التي يكتسبها ليست استعدادا للاختبار وحده. بل استعدادا للحياة.
كما نحتاج إلى علاقة جديدة بين المدرسة والأسرة تقوم على الثقة والوضوح والمسؤولية المشتركة. فالأسرة تحتاج أن تعرف كيف تدعم التعلم لا كيف تلاحق الدرجة فقط. والمدرسة تحتاج أن ترى في ولي الأمر شريكا يمكن أن يضيف إلى رحلة الطالب.
وعندما تتوحد الرسائل التي تصل إلى الطالب من البيت والمدرسة والمجتمع يصبح أثر التربية أعمق وأكثر ثباتا.
إن التحولات الكبرى في التعليم لا تبدأ دائما بقرارات ضخمة. كثيرا ما تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات، وحماية ساعة من وقت المعلم قد تصنع فرقا، وإلغاء إجراء لا يضيف قيمة قد يصنع فرقا، ونقل خبرة تربوية إلى مدرسة تحتاجها قد يصنع فرقا. واحتضان معلم جديد في سنواته الأولى قد يصنع معلما عظيما لعقود قادمة. وتحويل اجتماع تقليدي إلى حوار حقيقي حول تعلم الطلاب قد يصنع فرقا. وجعل الطالب شريكا في تعلمه قد يغير مستقبل حياته.
هذه التفاصيل حين تتراكم لا تبقى تفاصيل. إنها تتحول إلى ثقافة. والثقافة حين تستقر في المدرسة تصبح أقوى من أي تعميم.
والمستقبل التعليمي الذي نطمح إليه لا يحتاج إلى أن نستورد له شكلا جاهزا من مكان آخر. لدينا من الخبرات الوطنية والكفاءات التربوية والتجارب المدرسية المضيئة ما يكفي لصناعة نموذج متجذر في قيم مجتمعنا ومنفتح على أفضل ما وصل إليه الفكر التربوي المعاصر.
المطلوب أن نصغي بعمق إلى الميدان. وأن نثق بخبراته. وأن نضع خبراتنا حيث يكون أثرها أكبر. وأن نرعى معلمينا الجدد حتى يتحول حماس البداية إلى كفاءة راسخة. وأن نمنح المدارس مساحة للابتكار المسؤول. وأن نجعل كل تطوير يمر من بوابة واحدة واضحة.
هل سيجعل هذا القرار تعلم الطالب أفضل. وهل سيجعل المعلم أكثر قدرة على صناعة ذلك التعلم.
تلك ليست أسئلة إدارية عابرة.
إنها بوصلة.. فإذا بقي الطالب في قلب القرار. وبقي المعلم في قلب التطوير. وأصبحت الخبرة موردا يتنقل حيث تكون الحاجة. وبقي المجتمع شريكا في المسؤولية. فإن المدرسة لن تكون مكانا يستعد فيه أبناؤنا للمستقبل فحسب؛ بل ستكون المكان الذي يبدأ فيه المستقبل نفسه.
