مكيّة الراشدي تروي ذكرياتها مع اليوم الدراسي الأول

مسقط- حمود الراشدي

لكل منّا ذكرى يحملها معه، ومن الذكريات التي ترافقنا، رائحة اليوم الأول في العام الدراسي، ذكرى تحمل معها رائحة الأشياء الجديدة، وملامح الوجوه، وابتسامة المعلمين والمعلمات، ورفرفة العلم بألوانه الزاهية. وقبل اليوم الأول، تكون المشاعر متقدة بالشوق والحنين لأصدقاء الصف والنشاط.

نلتقي بالطالبة مكيّة بنت أحمد الراشدي من مدرسة زينب بنت الرسول للتعليم الأساسي (1ـ10) بولاية سمائل، متحدثة عن مشاعرها في هذا اليوم وما قبله، وبعد دخولها المدرسة وتعرفها على المرافق والمعلمات.

عن الليلة التي تسبق الصباح الأول للمدرسة تحدثت مكية قائلة: في اللَّيلة التي تسبق انطلاق الخطوة الأولى نحو مدرستي الجديدة، تكمن مشاعرُ مختلطةٌ داخلي، تجمع بين الرهبة والحماس. أمّا عن استعداداتي، فهي لم تكن مجردَ زيٍّ مدرسيّ باللون الكحليّ جاهز للارتداء، ولا حقيبةٍ أنيقة رتبتُ فيها أقلامي وكراساتي الجديدة، التي انتقيتُها مع أبي بعناية منذ أكثر من أسبوع في انتظار الصباح، بل كانت محاولةً صعبةً قليلًا لتهدئة عواصف التوتر التي كانت تهيج بداخلي، وأتوقع أني لستُ الوحيدة التي تعاني من هذه الحالة، بل شاركني فيها الآلاف من طلاب المدارس، ويسائلون أنفسهم بصمت.

كلّ بدايةِ عامٍ دراسيّ، قبل أن أستسلم للنوم، ترتادني الكثير من الأسئلة المعهودة عن صديقاتي المقرّبات: يا ترى، هل تغيّر شيء من شخصياتهنّ وطباعهنّ، السيئة منها والجيدة، أو حتى ملامحهنّ خلال العطلة الصيفية الطويلة؟ ومن ستفاجئنا من الطالبات أنها انتقلت لمحافظة أو لمدرسة أخرى هذا العام؟

أما هذه الليلة، فقد كانت استثنائية؛ إذ أن تساؤلاتي اتسعت لتشمل المكان نفسه: كيف سيكون مبنى المدرسة الجديدة؟ أَهُناك فرق بين المدرستين؟ وكيف ستكون طبائع معلماتي الجُدد؟ هل يحملن الحزم الصارم، أم الحنان والحكمة معًا، اللذين عهدتهما من معلماتي السابقات؟ وهل ستتذكرني معلماتي السابقات لو عدت لزيارتهن يومًا؟ -خاصة معلمة اللغة العربية- أم ستمحو الأيام أثري؟ وهل سأجد صعوبةً في العثور على نفسي وسط طالباتٍ كثيرات لا أعرفهنّ، ولا أعلم عنهنّ شيئًا؟

كذلك طافت بخاطري تلك الطالبة العزيزة على قلبي، التي كنت أقضي معها أجمل الأوقات في صفنا السابق، وتحلو أحاديثنا عن الكتب معها، وأيضًا دائمًا ما كنا نتحدى بعضنا في المساجلات الشعرية. تمنيتُ بشدة أن تكون معي في الصف نفسه؛ لنكمل ما بدأناه من شغف وحب كبير للقراءة، وكذلك نؤثر على من حولنا في ذلك. ظلّت هذه الأفكار تتزاحم في رأسي بصمتٍ بين التردد والفضول نحو بدايةٍ جديدة، حتى استولى عليَّ النعاس، وأنا أتضرع لربي بالدعاء أن يجعل لي عامي الدراسيَّ هذا حافلًا بالإنجازات والتفوق.

حين أشرقت شمس الصباح الدافئة، وصعدت للحافلة وقلبي ينبض بشيء من الخوف، بدأت غمامة الخوف تتبدد شيئًا فشيئًا؛ حين رأيت رفيقة دربي جالسة في زاويتنا المفضلة في الحافلة، تحديدًا آخر مقعد وبجانب النافذة. قرأتُ في عينيها الارتباك نفسه الذي يسكنني، لكن بعد جلوسي بجانبها وتبادلنا للأحاديث البسيطة والعفوية والضحكات الخافتة، واسترجاعنا لذكريات مدرستنا السابقة بمواقفها المضحكة وأيامها الجميلة، نسينا تمامًا ما كان يشغل بالنا.

عندما وطأت قدمي عتبة المدرسة الجديدة، شعرت بمشاعر مختلطة لا توصف، مع إحساسي بالرغبة في اكتشاف كل ما هو موجود هنا. ملأت رئتيَّ رائحة طيبة جدًا لا تشبه سواها، رائحة تجمع بين نسمات الصباح العطرة ورائحة الكتب الجديدة. ألقيت نظرة شاملة على كل المدرسة، وكأني أصورها، ومن النظرة الأولى بدت لي ممراتها الطويلة والعريضة كمتاهةٍ مجهولة قد أضيع بها طريقي، بيد أن هذا الشعور قد تلاشى عندما احتشدت أغلب الطالبات في الساحة استعدادًا للطابور المدرسي. كانت الطالبات يتبادلن الأحضان والتحيات، ويتحدثن بحماسة بالغة عن عطلتهن الصيفية، مما بثّ فيَّ السكينة والطمأنينة.

بعدها انطلقت الصيحات معلنةً بدء الطابور المدرسي، فاصطففنا بانتظام. حينما صدحت أصواتنا بالنشيد السلطاني، شعرت بقشعريرة تسري بجسدي من الفخر، ورفعت رأسي للأعلى، أرى علم سلطنتنا يرفرف خفّاقًا في عنان السماء، وكأن صوت النشيد قضى على بقايا خوفي.

بداية رحلة الانطلاقة نحو الشغف

بعد انتهاء الطابور المدرسي، بدأت مرحلة التوجه المنظم نحو الصفوف، وقامت المشرفات بأخذنا في جولة تعريفية واستكشافية لجميع أركان المدرسة ومرافقها المميزة، وعندها صارت الممرات التي حسبتها متاهة مقلقة واضحة ومألوفة لديّ، حتى أني شعرت بأنها تصادقني وترحب بقدومي. مررنا بالمختبرات العلمية، وقاعة الفنون التشكيلية المليئة باللوحات الفنية الجميلة لطالبات المدرسة.

ومن بين كل تلك المرافق، استهواني المكان الأكثر جمالًا، ألا وهو مركز مصادر التعلم. كان حرمًا هادئًا به رفوف متراصة وثابتة، ويضم مئات الكتب والمجلات، ينتشر منها أريج الأوراق التي عشقها كل قارئ وأدمنها. في تلك اللحظة، وعدتُ نفسي وعدًا صادقًا بأن أجعله ملاذي الدائم في أوقات الاستراحة؛ لأغوص بين الكتب وأكتشف ما لم أكتشفه من عوالم داخلها، وأستزيد من ثمار المعرفة.

عندما خطوت نحو صفي الجديد وانتقيت مقعدي بجانب النافذة كما أحب دائمًا، بدأت المعلمات الجدد بالدخول واحدة تلو الأخرى للتعرف علينا. غمرتني طمأنينة كبيرة عند رؤيتي لوجوههن المشرقة بالابتسامة، وتعاملهن الذي جمع بين الهيبة والحنان، وهذا هو المعروف عن صُنّاع الأجيال؛ إذ كانت كل معلمة تتميز بتقديم نفسها لنا، وتشجعنا بكلمات ملهمة، وتزرع فينا طموحًا جديدًا.

وما زاد جو الصف بهجةً لحظة توزيع الكتب المدرسية الجديدة علينا، فقد أصابني شعور عارم بالشغف والحماس عند وقوع عيني عليها، موضوعة بانتظام فوق بعضها البعض، بألوانها المشرقة والبراقة، وأوراقها التي تخلو من الشوائب. أخذت أقلب الصفحات بسعادة، وأمرر أناملي على عناوين الدروس التي سأبحر في عوالمها طوال العام الدراسي.

اكتملت سعادتي عند جلوس طالبة بشوشة بجانبي، تبادلنا الأحاديث والابتسامات التي كسرت آخر الحواجز بيننا، كما اكتشفت بأنها تشاركني شغف القراءة. في تلك اللحظة أدركت أن كل ذلك التوتر والقلق الذي سكنني في الليلة الماضية لم يكن له أي داعٍ، وتيقنت أنني في طريق سأصنع به أجمل الذكريات التي لن تُنسى أبدًا. 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z