أنيسة الهوتية
كثيرًا ما أتأمل عمر الإنسان القديم، خاصة الأعمار الاستثنائية التي عاشها بعض الأنبياء، فأتساءل: هل كان الإنسان القديم مهيأً بيولوجيًا لعمر أطول، أم كان أسلوب حياته الهادئ أحد الأسباب؟
ومن وجهة نظري، قد تكون الإجابة أقرب إلينا مما نتصور: جهاز عصبي لا يعيش في حالة إنذار دائم، يمنح الجسم فرصة أكبر للتشافي والاستقرار والاستمرار، ويقلل من استنزافه المتواصل. وكأن الإنسان سيارة تتحرك لأوقات وبهدوء، لا بأقصى سرعة طوال اليوم؛ فالمحرك الذي لا يُرهَق باستمرار قد يحتفظ بكفاءته مدة أطول.
الإنسان القديم لم يكن يستيقظ على صوت منبه فيقفز من فراشه ليلحق بالعمل، ثم يواجه زحام الطريق، ويقضي 8 أو 10 ساعات في الوظيفة، ثم يعود إلى المنزل ليبدأ «دوامًا مسائيًا» آخر من الطبخ والتنظيف والالتزامات. لقد كان إيقاع الحياة أبطأ؛ يستيقظ مع الضوء، يبحث عن قوت يومه صباحًا، يعمل بقدر حاجته، ويأكل بقدر حاجته، ويجلس المساء ليتسامر ويضحك ويلعب مع عائلته، ويستجم في الطبيعة، ويتعبد وينام ملأ عينيه.
وهنا تكمن النقطة الأهم: ليست المشكلة في مقدار العمل وحده، وإنما في إعلان حالة الطوارئ لدى الجهاز العصبي أثناء الحياة.
عندما يعيش الإنسان تحت ضغط مستمر، يبقى الجسم في حالة استعداد وتأهب، وترتفع هرمونات التوتر مثل الكورتيزول. ومعها تتأثر عمليات الالتهاب والنوم والمناعة وصحة القلب، كما ترتبط الضغوط المزمنة ببعض مؤشرات الشيخوخة الخلوية. وهذا ما يفسر علميًا مفهوم «الحمل الألوستاتي»؛ أي الكلفة التي يدفعها الجسم عندما يظل في حالة تأهب لفترات طويلة.
وأيضًا الطعام، فقد كان في كثير من المجتمعات القديمة أبسط وأقل تصنيعًا: نبات أو ثمار أو حبوب أو لحم أو لبن، وفق ما توفر ومدى الحاجة إليه. ولم يكن الإنسان محاصرًا بعشرات المنتجات والمشروبات المُحلاة والوجبات الخفيفة طوال اليوم. وكان يأكل لأن هناك حاجة للطعام، لا لأنه اشتهى شيئا "وما خلاها بخاطره"!
حتى العمل، رغم مشقته الجسدية، كان في كثير من البيئات مرتبطًا بإيقاع الطبيعة، لا بإحساس دائم بأن كل دقيقة يجب أن تكون منتجة.
أما اليوم، فنستهلك الجهاز العصبي قبل أن نستهلك العضلات. يبدأ الإنسان بالضغط النفسي والتوتر بالدراسة، ثم الجامعة، ثم الوظيفة، ثم الترقية، ثم مسؤوليات الأسرة، وكأنه دخل سباقًا منذ ولادته ولم يخبره أحد أين خط النهاية، ليس لأنها مستلزمات الحياة، ولكن لأنه هو أو هي يجب أن يكون الأفضل!
لذلك، إذا بحثنا عن سر طول العمر في الأزمنة الأولى، فلا ينبغي أن ننظر إلى الغذاء والبيئة فقط، بل إلى إيقاع الحياة نفسه.
ربما كان الإنسان القديم يعيش ببطء، فيمنح جسده وقتًا أطول للراحة والصيانة والإصلاح؛ فالراحة ليست كسلًا، والهدوء ليس فراغًا؛ وربما كان بطء إيقاع الجهاز العصبي أحد أسرار الإنسان الطويل العمر، وصحته وعافيته الجسدية والنفسية.
