محمد أحمد سلامة
ما يجري الآن في مضيق هرمز، وما نراه من تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يدفع إلى التفكير في أبعد من تفاصيل المواجهة الحالية، فكلما ظهرت بوادر انفراج، أو تسربت تصريحات عن قرب التوصل إلى تفاهم بشأن فتح ممر آمن للسفن وإزالة الألغام، عاد التصعيد من جديد ليُعيد المنطقة إلى نقطة الصفر.
وهنا لا بُد من العودة قليلًا إلى الوراء، وتذكُّر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قناة بنما ورغبته في استعادة النفوذ الأمريكي عليها، ورغم ان البعض قد يقول ألّا علاقة مباشرة بين قناة بنما ومضيق هرمز، وهذا صحيح من الناحية الجغرافية والسياسية، لكنهما يلتقيان في نقطة مهمة جدا: كلاهما ممر استراتيجي تتحرك عبره التجارة والطاقة، ومن يملك نفوذًا أكبر فيه يملك ورقة مؤثرة في الاقتصاد والسياسة الدولية.
ومن هذه الزاوية، يصبح ما يجري في هرمز أكثر إثارة للتساؤل، فسلطنة عُمان كانت تقود جهودًا للتقريب بين واشنطن وطهران، وكانت المفاوضات، بحسب تصريحات السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العُماني، قد قطعت شوطًا مهما قبل أن تأتي الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وتضع فرصة التوصل إلى اتفاق أمام طريق مسدود.
والسؤال الذي يُطرح نفسه هنا: هل كانت السيطرة على مضيق هرمز هدفًا غير مُعلن للحرب على إيران منذ البداية، أم أن المواجهة بدأت تتوسع لتشمل إعادة ترتيب ميزان القوة في الخليج، بما في ذلك التأثير في أمن الملاحة والطاقة في مضيق هرمز؟
ليس من السهل تقديم إجابة قاطعة، لكن التطورات تجعل السؤال مشروعًا؛ فهرمز ليس مجرد مضيق بحري، وإنما شريان رئيسي للطاقة والتجارة العالمية، وأي جهة تستطيع التأثير في حركة السفن من خلاله أو في القواعد التي تنظم الملاحة فيه، تمتلك نفوذا يتجاوز حدود المنطقة بكثير.
وهنا يدخل عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو الصين، والتي تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة القادمة من الخليج، وفي المقابل تخوض واشنطن منافسة متصاعدة معها على النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري، لذلك فإن السيطرة أو النفوذ على طرق التجارة ومصادر الطاقة لا يمكن النظر إليهما بمعزل عن الصراع الأكبر على شكل النظام الدولي في السنوات المقبلة، فالولايات المتحدة الامريكية تسعى الى تقويض نظرية التعددية القطبية قبيل ان تصبح واقعا معاشا، وتسعى الى إعادة هيبتها وسيطرتها الأحادية على العالم.
ومن هنا أيضًا يمكن فهم أهمية بعض التصريحات الأمريكية المتعلقة بمضيق هرمز، وما إذا كانت تتجاوز مجرد المطالبة بحرية الملاحة إلى محاولة التأثير فيمن يحدد قواعد هذه الملاحة وشروطها، فالقضية في النهاية ليست فقط: هل تستطيع السفن المرور؟ وإنما أيضًا: من يملك القدرة على ضمان هذا المرور، ومن يضع قواعده؟
وفي هذه النقطة تحديدًا تبرُز أهمية سلطنة عُمان؛ فمسقط ليست طرفًا في الصراع، لكنها في الوقت نفسه تمتلك علاقات وقنوات اتصال مع أطرافه المختلفة، وهو ما جعلها خلال السنوات الماضية قادرة على لعب أدوار الوساطة وفتح قنوات الحوار عندما تتعقد الأمور. ولذلك فإن تحويل ملف هرمز من قضية أمنية وعسكرية إلى قضية تفاهمات وترتيبات إقليمية قد يكون أحد أهم الأدوار التي تستطيع السلطنة القيام بها.
أما إذا نظرنا إلى المشهد من زاوية أوسع، فقد نكتشف أن ما يجري في هرمز ليس مجرد فصل جديد من المواجهة الأمريكية الإيرانية، وإنما جزء من صراع أكبر على النفوذ وطرق التجارة والطاقة، صراع تتداخل فيه مصالح الولايات المتحدة والصين وروسيا ودول الخليج، وتصبح فيه الممرات البحرية الاستراتيجية أوراقًا مهمة في تحديد موازين القوة.
ولهذا ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: هل تريد الولايات المتحدة السيطرة على مضيق هرمز؟ وإنما: هل أصبح مضيق هرمز جزءًا من الصراع الدولي على النفوذ، وإحدى الساحات التي يجري فيها رسم ملامح النظام العالمي الجديد؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يحدث في هرمز لن ينتهي بمجرد توقف جولة عسكرية أو نجاح وساطة مؤقتة، لأن القضية عندها ستكون أكبر من الخلاف حول الملف النووي الإيراني، وستكون مرتبطة بمستقبل أمن الخليج، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، ومن يملك النفوذ على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
