العودة إلى المدارس.. بداية جديدة أكثر من حقيبة وكتاب

 

 

د. أمجد عزات جمعة **

مع بداية صباح اليوم الأول من العام الدراسي الجديد، تمتلئ الطرق بالحافلات المدرسية، وتعود الحقائب إلى أكتاف الطلبة، وتُفتح الفصول من جديد لاستقبال عام يحمل الكثير من الآمال والتوقعات والطموحات. لكن خلف هذا المشهد المعتاد توجد حقيقة تربوية ونفسية مهمة مفادها: العودة إلى المدرسة ليست مجرد عودة إلى الفصول والكتب والواجبات، بل هي انتقال نفسي واجتماعي يحتاج إلى استعداد ونضج واحتواء وتدرج وممارسة ودافعية.

فالطلبة لا يدخلون المدرسة بالمشاعر نفسها؛ بعضهم يعود بحماس وفضول، وبعضهم يشعر بالقلق أو الخوف، وآخرون يواجهون صعوبة في استعادة روتين النوم والاستيقاظ أو التكيف مع معلمين وزملاء جدد. وهنا يصبح نجاح بداية العام مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والطالب.

البداية النفسية تسبق البداية التعليمية

من منظور علم النفس فإن شعور الطالب بالأمان والانتماء داخل المدرسة يمثل أساسًا مهمًا للدافعية والتعلم. فالطالب الذي يشعر بأنه مرحب به ومحترم، وأن المعلم يؤمن بقدرته على النجاح، يكون أكثر استعدادًا للمشاركة والتعلم والمثابرة. ولهذا فإن الأيام الأولى من العام الدراسي ينبغي ألا تتحول إلى موسم للضغط والواجبات والاختبارات المبكرة، بل إلى فرصة لإعادة بناء الروتين الدراسي، والتعرف إلى الطلبة، وتأسيس علاقات صفية إيجابية. ويزداد هذا الأمر أهمية لدى الطلبة الذين ينتقلون إلى مدرسة جديدة، أو مرحلة تعليمية مختلفة، أو يوجهون مشكلات تكيفية ذات طابع اجتماعي أو تعليمي. فقد تظهر خلال الأيام الأولى بعض علامات القلق، مثل اضطرابات النوم، أو الشكوى من آلام جسدية قبل الذهاب إلى المدرسة، أو الانسحاب الاجتماعي، أو العصبية، أو رفض المدرسة. وفي معظم الحالات تكون هذه المشاعر مؤقتة، وتحتاج إلى الاحتواء والتدرج في التكيف، لا إلى التوبيخ أو المقارنة بالآخرين.

المعلم: مهندس المناخ النفسي في الصف

يُمثِّل المعلم حجر الأساس في العملية التعليمية وأحد عناصر التكيف المدرسي، وقد لا يسترجع الطالب بعد سنوات سوى المحتوى التعليمي، لكنه غالبًا ما يستذكر الطريقة التي استقبله بها معلمه والكلمات التي وجهها إليه، ومشاعر الاحترام والقبول داخل الصف. لذلك، من المهم أن يحرص المعلم على بناء علاقة إيجابية مع طلبته، والتعرف إلى أسمائهم واحتياجاتهم، ووضع قواعد الصف معهم بطريقة واضحة وتشاركية. كما ينبغي تجنب التصنيفات المبكرة؛ فلا يوجد طالب يجب أن يبدأ العام وهو يحمل صفة "ضعيف" أو "مشاغب" أو "غير متفوق".

ومن الضروري أيضًا استخدام التعزيز الإيجابي، وتشجيع المحاولة والمثابرة، وعدم جعل الدرجة هي الوسيلة الوحيدة للتقدير. فالعبارات المشجعة التي تركز على الجهد والتقدم تساعد الطالب على بناء عقلية أكثر إيجابية تجاه التعلم. كذلك يجب الانتباه منذ الأيام الأولى إلى العلاقات بين الطلبة، والتعامل المبكر مع أي صور للتنمر أو الإقصاء أو السخرية، لأن المناخ النفسي الآمن شرط أساسي للتعلم الفعال.

الأسرة مصدرًا للدعم والإلهام لا الضغط

الأسرة شريك رئيس في نجاح العودة إلى المدرسة، وأحد أهم أدوارها في هذه المرحلة هو إعادة تنظيم الحياة اليومية للطالب. يبدأ ذلك بتنظيم النوم والاستيقاظ، وتقليل السهر والاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية، وتهيئة مكان مناسب للدراسة. لكن الأهم من ذلك هو تجنب الضغط النفسي المبالغ فيه. عبارات مثل: "هذه سنة مصيرية"، أو "يجب أن تكون الأول"، أو "لا نريد تكرار أخطاء العام الماضي" قد ترفع مستوى القلق أكثر مما ترفع الدافعية. والبديل الأفضل هو أن يسمع الطالب رسالة واضحة: " نحن نثق بك، ونتوقع منك أن تبذل جهدك، وسناسندك عندما تواجه صعوبة."

كما ينبغي تجنب مقارنة الأبناء بإخوتهم أو زملائهم. فلكل طالب قدراته وإيقاعه الخاص في التعلم، والأفضل أن يُقارن تقدمه بمستواه السابق، لا بمستوى الآخرين. ومن المفيد أيضًا أن يتحول الحوار اليومي مع الأبناء من سؤال: "ماذا أخذتم اليوم؟" إلى أسئلة أعمق مثل: "ما أفضل شيء حدث لك في المدرسة؟"، "هل واجهت شيئًا أزعجك؟"، "هل تحتاج إلى مساعدة في شيء؟". هذه الأسئلة تبني جسور الثقة وتساعد على اكتشاف المشكلات مبكرًا.

رسائل إلى كل طالب وطالبة

العام الجديد فرصة جديدة، وليس مطلوبًا منك أن تكون مثاليًا منذ اليوم الأول. المطلوب أن تبدأ، وأن تتحسن تدريجيًا، وأن تضع أهدافًا بسيطة وقابلة للتطبيق. كما تحتاج إلى أن تراجع دروسك يوميًا، وأن تفهم قبل أن تحفظ، وتنظم وقتك، وتقلل التسويف، وأن تطلب المساعدة عندما تواجه صعوبة، فطلب المساعدة ليس ضعفًا، بل مهارة من مهارات التعلم الناجح. واحرص على اختيار أصدقاء يساعدونك على النجاح، واحترم زملاءك ومعلميك، ولا تجعل الدرجة المدرسية المقياس الوحيد لقيمتك. النجاح الحقيقي يشمل التعلم، والانضباط، والاحترام، وتحمل المسؤولية، والقدرة على مواجهة الصعوبات.

كما إن المدرسة مكان للتطور والنمو وليس تحصيل الدرجات فقط، وهي مساحة لتعلم التعاون، وإدارة الانفعالات، وحل المشكلات، وبناء الثقة بالنفس، وتكوين العلاقات الاجتماعية، واكتساب القيم الايجابية. ولهذا تحتاج مدارسنا إلى الاهتمام بالصحة النفسية المدرسية للطلبة، وتعزيز دور الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتنفيذ برامج للتكيف المدرسي، ومواجهة المشكلات السلوكية والنفسية والتربوية، وإدارة الضغوط، وتنظيم الوقت. كما أن دعم المعلمين نفسيًا ومهنيًا لا يقل أهمية عن دعم الطلبة؛ فالمعلم الذي يعمل في بيئة مهنية داعمة أكثر قدرة على خلق بيئة صفية إيجابية.

وختامًا.. مع كل عام دراسي جديد، لا نفتح أبواب المدارس فقط، بل نفتح أبوابًا وفرص جديدة للأمل والنمو واكتشاف القدرات. وقد تكون كلمة تشجيع من معلم، أو احتواء من أسرة، أو قرار صغير يتخذه طالب نقطة التحول التي تصنع عامًا مختلفًا بالكامل.

فلنجعل هذا العام بداية للثقة لا للخوف، وللتعلم لا للحفظ، وللتقدم لا للمقارنة. ولنمنح أبناءنا وطلبتنا حقهم في أن يخطئوا ويتعلموا ويحاولوا من جديد؛ فالمدرسة الناجحة لا تصنع طالبًا يحصل على أعلى الدرجات فحسب، بل تصنع إنسانًا يؤمن بنفسه، ويعرف كيف يتعلم، ويملك الشجاعة ليصنع مستقبله.

** أستاذ مشارك في علم النفس التربوي- التعلم والنمو

جامعة الشرقية، كلية الاَداب والعلوم الإنسانية، قسم علم النفس

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z