خالد بن سالم الغساني
النقاش الذي يدور بين الحين والآخر، حول تحديد الخطر الوجودي في منطقتنا يطرح سؤالًا يتجاوز تحديد مصدر الخطر إلى طبيعة الأمن الذي تحتاج إليه المنطقة. وفي تقديري، يمثل المشروع الصهيوني الخطر الوجودي الأول الأكثر وضوحًا واستمرارًا، ابتداءً من فلسطين والشعب الفلسطيني، وامتدادًا إلى ما أحدثه ويحدثه من اختلال في أمن المنطقة وبنيتها السياسية والاستراتيجية.
وحتى أكون واضحًا، فإنه لا بُد من تحديد المقصود بالخطر الوجودي؛ فالمشروع الصهيوني يمثل بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني خطرًا وجوديًا بالمعنى المباشر؛ لأنه قام على أرضه، واقتلاع قسم كبير منه، وتغيير بنيتها السكانية والسياسية، وإقامة دولة ذات تعريف قومي يهودي عليها. أما بالنسبة إلى المنطقة الأوسع، فلا أقصد أن إسرائيل تهدد الوجود المادي لكل دولة فيها، وإنما أن ما ترتب على قيامها من احتلال وحروب واستيطان واختلال في موازين القوة أصبح عنصرًا أساسيًا في أزمة الأمن الإقليمي.
وبالتأكيد، فإن ذلك لا يُقلِّل من أخطار أخرى تواجه المنطقة؛ فهناك صراعات وخلافات عربية-عربية، وخلافات عميقة مع إيران وتركيا، وتدخلات وحروب ألحقت أضرارًا جسيمة بدولها وشعوبها. لكنها، مهما بلغت خطورتها، تظل في جوهرها صراعات دول ومصالح ونفوذ وسياسات من وجهة نظري قابلة للتغير والتسوية. أما في فلسطين فنحن أمام مشروع غيّر علاقة شعب بأرضه، ولا يزال الصراع معه متعلقًا بالأرض والهوية والوجود الوطني نفسه.
والموقف من المشروع الصهيوني ليس موقفًا من اليهود أو اليهودية؛ فقد عاش اليهود تاريخيًا في فلسطين وفي بلدان عربية وإسلامية وأوروبية وغيرها، وكانوا جزءًا من المجتمعات التي عاشوا فيها. أما الصهيونية؛ فهي حركة سياسية قومية حديثة حولت الانتماء الديني والتاريخي إلى مطالبة قومية بأرض يسكنها شعب آخر.
ووجود اليهود التاريخي في فلسطين لا يعني أن كل يهودي في العالم كان فلسطينيًا، ولا أن الانتماء إلى اليهودية يمنح - بمجرده - حقًا سياسيًا في فلسطين يتقدم على حق الفلسطيني الذي عاش عليها هو وآباؤه وأجداده؛ فالدولة الحديثة لا ينبغي، في تصوري، أن تمنح حق السيادة على الأرض استنادًا إلى الانتماء الديني.
واعتراضي على إسرائيل لا يستهدف اليهود الذين يعيشون فيها، ولا ينكر حق أي إنسان في الحياة والأمن والمواطنة، وإنما يقع على المشروع السياسي الصهيوني وعلى شرعية إقامة دولة ذات تعريف قومي يهودي على أرض فلسطين، وما ترتب على ذلك من اقتلاع شعب وإحلال واقع سياسي وديموغرافي جديد مكانه.
ولا أرى في حل الدولتين جوابًا نهائيًا عن السؤال التاريخي؛ فالمشكلة ليست فقط في رسم الحدود بين دولتين، وإنما في السؤال الأسبق من كل ذلك، وهو بأي حق تحوّل المشروع الاستيطاني إلى دولة يُطلب من صاحب الأرض الأصلي أن يمنحها شرعية نهائية؟
لعبت بريطانيا في مرحلة الانتداب، ثم القوى والظروف الدولية التي أحاطت بتقسيم فلسطين وقيام إسرائيل، دورًا حاسمًا في صناعة هذا الواقع، الذي جعل منها دولة تحظى باعتراف دولي وعضوية في الأمم المتحدة. لكن الاعتراف بالواقع السياسي والقانوني لا يعني أن الطريقة التي نشأ بها كانت عادلة، أو أن مرور الزمن يلغي الحقوق التاريخية للفلسطينيين.
لهذا أنظر إلى المشروع الصهيوني باعتباره خطرًا وجوديًا مباشرًا على فلسطين والشعب الفلسطيني، ومصدرًا لاختلال استراتيجي ممتد في المنطقة. ولدولنا وأنظمتنا مسؤوليتها عن أخطائها وإخفاقاتها، ولصراعات المنطقة أسبابها الداخلية والإقليمية والدولية.
لكن كيف يمكن بناء أمن إقليمي مستقر بينما تستنزف دول المنطقة نفسها في صراعات متبادلة، وتتعامل أحيانًا مع بعضها بعضًا باعتبارها أخطارًا وجودية، فيما يستمر الاحتلال والاستيطان في فلسطين؟
قد تختلف بعض الدول العربية مع إيران وتركيا، وقد تختلف فيما بينها، وبعض هذه الخلافات عميق وخطير وأدى إلى حروب وتدخلات لا يجوز تجاهلها. لكنها تظل صراعات على المصالح والنفوذ والسياسات وموازين القوة، ويمكن من حيث المبدأ إدارتها وتسويتها. فالمصالح تتغير، والسياسات والأنظمة تتبدل، والخصم السياسي اليوم قد يصبح طرفًا في تسوية أو شريكًا في مصالح مشتركة غدًا.
تحتاج المنطقة لذلك إلى تصور أمني طويل المدى تشارك فيه الدول العربية ومعها إيران وتركيا، وينطلق من أن أمن هذه الجغرافيا لا يمكن أن يبقى رهينة لصراعات القوى الكبرى ومصالحها.
ولا أقصد تحالفًا عسكريًا جديدًا أو استبدال محور بمحور، وإنما منظومة أمن إقليمي تساعد دول المنطقة على منع الحروب بينها، وتسوية نزاعاتها سياسيًا، واحترام سيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها، وبناء مصالح مشتركة. والخلافات العميقة بينها ليست حجة ضد هذا التصور؛ فهي أحد أسباب الحاجة إليه.
وتبقى فلسطين في قلب هذه المنظومة؛ فلا يمكن بناء أمن إقليمي مستقر بينما يستمر الاحتلال والاستيطان واقتلاع الفلسطينيين، ثم يُطلب من المنطقة التعامل مع ذلك باعتباره واقعًا طبيعيًا ونهائيًا. ولا أرى أن تصبح إسرائيل جزءًا طبيعيًا في المنطقة قبل الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية يعيد الحقوق إلى أصحابها.
ويتطلب الأمن الإقليمي أيضًا قدرًا أكبر من استقلال القرار الاستراتيجي ومراجعة الاعتماد الدائم على الحماية الخارجية. وليس المقصود الانقطاع عن العالم أو مواجهة القوى الكبرى، وإنما إقامة علاقات أكثر توازنًا تجعل دول المنطقة أقدر على إدارة أمنها وخلافاتها بنفسها.
وهو بالطبع مشروع طويل المدى؛ فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي "ناتو" ولها علاقاتها مع إسرائيل، وعدد من الدول العربية يرتبط بعلاقات وتحالفات أمنية مع قوى غربية، وبعضها يقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. والخلافات الإقليمية لن تختفي بقرار واحد، لكن أي مشروع استراتيجي يبدأ بتحديد الاتجاه الذي يراد الوصول إليه.
واعتبار المشروع الصهيوني خطرًا وجوديًا على فلسطين، لا يعني أن البديل حرب دائمة أو اقتلاع اليهود الذين يعيشون اليوم على هذه الأرض. وكما أرفض اقتلاع الفلسطيني بسبب هويته، لا يمكن أن يكون الحل العادل اقتلاع إنسان آخر بسبب يهوديته.
المطلوب نظام سياسي يقوم على المواطنة والحقوق المتساوية، لا على التفوق الديني أو القومي، يستطيع فيه اليهود والمسلمون والمسيحيون وغيرهم العيش متساوين في الحقوق والواجبات، من دون أن يكون الاعتراف بحق اليهودي في الحياة والمواطنة اعترافًا بالمشروع الصهيوني، أو تكون استعادة الحق الفلسطيني دعوة إلى اقتلاع اليهود.
القضية في النهاية تتعلق بالشرعية، وبما إذا كان ميزان القوة ومرور الزمن يستطيعان تحويل نتائج الاقتلاع والاحتلال إلى حقوق تاريخية مكتسبة. كما تتعلق بمستقبل منطقة لا ينبغي أن تبقى محكومة بصراعات عربية-عربية، أو عربية-إيرانية، أو عربية-تركية، بينما تظل فلسطين ساحة مفتوحة للاحتلال والاستيطان.
الأمن الحقيقي لا يصنعه تحديد الخطر وحده، بل القدرة على بناء منطقة أكثر استقلالًا في قرارها، تدير دولها خلافاتها بدل استنزاف بعضها بعضًا، وتستعيد فلسطين حقوقها، ويعيش البشر فيها مواطنين متساوين؛ فلا يكون الدين جوازًا لامتلاك وطن، ولا تصبح القوة وسيلة لتحويل الظلم التاريخي إلى حق دائم.
