نحو بناء صناعة عربية للمحتوى الرقمي بمعايير دولية (5- 9)

 

 

 

 

◄ صناعة المحتوى الرقمي العربي: التحديات والفرص

 

عبيدلي العبيدلي

2- تجزؤ السوق إلى أسواق قانونية ولغوية مختلفة

توحد اللغة العربية مساحة ثقافية واسعة، لكن السوق ليست موحدة. هناك 22 دولة، وعشرات اللهجات، واختلافات في أنظمة الدفع، والضرائب، والرقابة، والإعلانات، وحقوق المؤلف، وتراخيص الفعاليات، وتصنيف المحتوى، والقوة الشرائية. النجاح في مصر لا يعني تلقائيًا النجاح في الخليج، والمحتوى المغربي قد يحتاج إلى ترجمة أو توطين للمشرق، والمحتوى الخليجي قد يحتاج إلى إعادة بناء لغوي للمغرب العربي.

وترفع هذه التجزئة تكاليف التوسع في ستة مواضع: الترجمة، والتسويق، والامتثال القانوني، والتعاقد، والتسعير، والدفع. ويصبح الحجم النظري للجمهور العربي أقل من حجمه الاقتصادي الفعلي إذا اضطرت الشركة إلى بناء عمليات منفصلة لكل سوق. لذلك تمثل المواءمة التنظيمية الجزئية ـ في العقود، والبيانات الوصفية، والترخيص، والدفع، وتصنيف الأعمار ـ فرصة اقتصادية لا مجرد مشروع تكامل ثقافي.

3- الازدواجية اللغوية واللهجات ليست مشكلة لغوية فقط

يتعامل المستخدم العربي مع الفصحى واللهجة المحلية والإنجليزية أو الفرنسية بدرجات مختلفة. وهذا التنوع ثروة سردية، لكنه يفرض تحديات على البحث والتعرف إلى الكلام والتوصية والترجمة والتحليل الآلي. وأظهرت دراسة "Konooz" المنشورة في ACL 2025، التي شملت 16 لهجة و10 مجالات ونحو 777 ألف كلمة، أن أداء أربعة نماذج للتعرف إلى الكيانات يمكن أن ينخفض بما يصل إلى 38% عند الانتقال خارج اللهجة أو المجال الذي اعتاده النموذج [49].

وفي 2026 قدم مشروع Arab Voices إطارًا يجمع 31 مجموعة بيانات تغطي 14 لهجة عربية لمعالجة التشتت في التعرف الآلي إلى الكلام [50]. كما أظهر معيار BALSAM لعام 2025، الذي يضم 78 مهمة و52 ألف مثال، أن تقييم النماذج العربية نفسه يحتاج إلى بنية أكثر شمولًا وشفافية [51]. هذه الشواهد تعني أن الفجوة في البيانات ليست قضية أكاديمية منفصلة عن صناعة المحتوى؛ فهي تؤثر مباشرة في جودة الترجمة والدبلجة والبحث والتوصية وخدمة العملاء والوصول لذوي الإعاقة.

4- نقص البيانات العربية عالية الجودة والمرخصة

يمكن أن يكون لدى المنطقة ملايين المنشورات، لكنها لا تشكل بالضرورة «بيانات صالحة» للبحث أو الذكاء الاصطناعي. تحتاج البيانات الجيدة إلى مصدر واضح، وترخيص، وتنسيق، وبيانات وصفية، وموازنة بين اللهجات والموضوعات والفئات، وآليات لحماية الخصوصية. وقد دعت اليونسكو في 2025 إلى دعم السياسات التي تحمي الصناعات الثقافية في البيئة الرقمية وتضمن تنوع المحتوى المحلي [52].

المشكلة هنا مزدوجة: إذا بقي المحتوى العربي قليلًا في المواقع المفتوحة والمكتبات الرقمية، ستظل النماذج تعتمد نسبيًا على مواد أقل، وأحيانًا غير ممثلة. وإذا فُتحت البيانات بلا قواعد، فقد تُستخدم أعمال المبدعين من دون إذن أو تعويض. لذلك يجب أن تكون الاستجابة «مزيدًا من البيانات، لكن بترخيص وحوكمة أفضل».

5- ضعف قابلية الاكتشاف

ينشر الكثير من المؤسسات العربية مواد جيدة في ملفات PDF غير مهيأة، أو فيديو بلا نص مكتوب، أو صفحات بعناوين ضعيفة، أو منصات مغلقة يصعب على محركات البحث فهرستها. ويمكن أن يوجد المحتوى من دون أن يكون قابلًا للاكتشاف. ومع صعود محركات الإجابة والذكاء الاصطناعي، ستزداد قيمة البيانات الوصفية، والنسخ النصية، والمراجع، والتواريخ، والروابط الدائمة، والترميز الدلالي.

ومن هنا ينبغي أن تصبح "قابلية الاكتشاف" مؤشرًا رسميًا للجودة. فالمنشور الذي لا يمكن العثور عليه بعد شهر ولا الاستشهاد به ولا التحقق من مصدره يحقق أثرًا قصير المدى، بينما المادة المبنية وفق معايير الأرشفة يمكن أن تتحول إلى أصل معرفي طويل العمر.

6- صعوبة تحقيق الدخل من جمهور واسع

يعتبر الخلط بين الجمهور والإيراد أحد أكبر الالتباسات في اقتصاد المحتوى. فوجود مليون متابع لا يعني وجود نموذج عمل. وقد بلغ عدد المستخدمين المسجلين في منظومة أنغامي أكثر من 130 مليونًا، بينما بلغ عدد المشتركين 3.52 ملايين في نهاية 2025 [53]. ولا يجوز حساب "نسبة تحويل" مباشرة من الرقمين لأن المستخدم المسجل ليس بالضرورة نشطًا، ولأن المنظومة تشمل خدمات مختلفة؛ لكن الفجوة تبيّن أن تحويل الوصول المجاني إلى دفع مباشر تحدٍ جوهري.

وتزداد الصعوبة في أسواق تتفاوت فيها القدرة الشرائية. ولذلك تحتاج شركات المحتوى العربية إلى نماذج مختلطة: اشتراك منخفض، وإعلان، وباقة اتصالات، وعضوية، وتجارة إلكترونية، وترخيص، وإنتاج للعلامات التجارية، وفعاليات، ودورات، وتمويل جماعي، وبيع حقوق.

7- رأس المال لا يفهم الأصول الإبداعية جيدًا

يفضل التمويل المصرفي التقليدي أصلًا ملموسًا يمكن رهنه، بينما أهم أصول شركة المحتوى قد تكون مكتبة صوتية أو سيناريو أو شخصية أو حقوق لعبة أو مجتمعًا من المشتركين. ولهذا يواجه المشروع الإبداعي فجوة بين القيمة المستقبلية وصعوبة إثباتها للممول.

وتوفر تجربة المغرب شاهدًا رقميًا مهمًا. فقد قدّرت مؤسسة التمويل الدولية مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية المغربية بنحو 2.4% من الناتج المحلي في 2022، وإيرادات بنحو 43 مليار درهم في 2023، وأكثر من 116 ألف وظيفة في نحو 9,500 شركة؛ ومع ذلك لم تحصل الصناعات الإبداعية في 2021 إلا على أقل من 0.5% من إجمالي ائتمان الأعمال، ولم يصل التمويل الرسمي سوى إلى نحو 3% من الشركات الإبداعية [54]. هذا يوضح أن فجوة التمويل ليست نتيجة صغر القطاع فقط، بل نتيجة أدوات تمويل غير ملائمة لطبيعة أصوله.

وتحاول WIPO معالجة المشكلة عبر مبادرات تمويل الملكية الفكرية، ومنها أول مشروع تجريبي أطلقته في 2025 مع مؤسسة تمويل ماليزية لدمج الأصول الفكرية في قرارات الإقراض [55]. ويمكن للمنطقة العربية الاستفادة من هذا الاتجاه بدل انتظار أن تتغير البنوك تلقائيًا.

8- ضعف إدارة الملكية الفكرية والعقود

في صناعات المحتوى، يمكن أن يكون العقد، أهم من عدد المشاهدات. فمن يملك حقوق الترجمة؟ ومن يملك الجزء الثاني؟ وهل يستطيع المؤلف ترخيص الشخصية للعبة؟ وما مدة الحق؟ وما حصة صاحب العمل من الإيراد الثانوي؟ كثير من المبدعين يركزون على أجر الإنتاج وينقلون حقوقًا طويلة المدى مقابل سيولة عاجلة، فتضيع القيمة اللاحقة.

ولهذا ينبغي أن تنتقل الثقافة المهنية من "حماية العمل من السرقة" إلى "إدارة محفظة الحقوق". وليست الملكية الفكرية مجرد دفاعًا قانونيًا، فحسب، بل طريقة لتقسيم المنتج إلى حقوق زمنية وجغرافية ولغوية ومنصاتية يمكن ترخيصها بصورة منفصلة. وهذه هي الآلية التي تسمح بتحويل النجاح من دخل مرة واحدة إلى أصل يولد تدفقات متكررة.

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z