نضج مؤسساتُنا الإلكترونية

 

 

عائشة الفارسية

أصبح نضج المؤسسات الحكومية في استخدام التكنولوجيا والخدمات الإلكترونية أحد أهم مؤشرات تطور الدول وحداثة إدارتها، ولم يعد الأمر مقتصرًا على تحويل النماذج الورقية إلى نماذج إلكترونية، بل تعداه إلى إعادة تصميم الخدمة بالكامل حول احتياج المتعامل (المواطن أو المقيم)، وبما يضمن السرعة والشفافية والكفاءة.

والمؤسسة الحكومية الناضجة رقميًا هي التي تجعل التكنولوجيا عصب عملها لا مجرد أداة مساندة تستخدمها عند الحاجة ويمكن قياس نضج المؤسسات الحكومية إلكترونيًا عبر أربعة مستويات متدرجة على النحو الآتي:

١. مستوى الحضور الإلكتروني: وهو وجود موقع إلكتروني يقدم معلومات عن الخدمات ويوضحها.

٢. مستوى التفاعل: ويتمثل بإمكانية تحميل النماذج والتواصل عبر البريد الإلكتروني.

٣. مستوى الإنجاز: وهو تقديم المعاملة كاملة إلكترونيًا من البداية إلى النهاية والدفع الإلكتروني وغيرها من الأمور بعد الاكتمال.

٤.مستوى التكامل والاستباقية: لابد من تكامل الأنظمة الحكومية فيما بينها وتعاونها مع بعضها لتقديم الخدمة للمواطن قبل أن يطلبها بناءً على بياناته.

وما نلاحظه اليوم هو تحرك أغلب المؤسسات الحكومية الرائدة نحو التكامل والاستباقية، وهذا أمر مفرح ومفيد للدولة، وهناك أمثلة على الإنجازات في نضج المؤسسات الحكومية مثل منصة "عُمان الرقمية" والبوابة الحكومية الموحدة، حيث تُعد البوابة الحكومية الموحدة في سلطنة عُمان نموذجًا للتكامل فهي لم تعد مجرد نافذة إعلامية، بل أصبحت بوابة واحدة يدخل منها المواطن والمقيم والمستثمر لإنجاز أكثر من 3000 خدمة حكومية وهذا التكامل قلل الحاجة لمراجعة عدة مؤسسات ووفّر الوقت والجهد ويُعد خطوة عملية نحو حكومة بلا أوراق.

ولا ننسى وزارة الصحة مع وجود - نظام "الشفاء 3" و "ترصد +" ، معهما شهد القطاع الصحي قفزة في النضج الرقمي فنظام "الشفاء 3" ربط المستشفيات والمراكز الصحية في شبكة واحدة لملف صحي موحد للمريض، ومع جائحة كوفيد-19 برز تطبيق "ترصد +" كأداة استباقية لتتبع الحالات وإدارة المواعيد واللقاحات مما أثبت أن التكنولوجيا عنصر أساسي في إدارة الأزمات وحماية المجتمع.

وأما شرطة عُمان السلطانية فتطبيق "الشرطة" انتقلت معه الخدمات من المراكز إلى الهاتف، فاليوم يمكن تجديد المركبات ودفع المخالفات والإبلاغ عن الحوادث وحتى إصدار تصاريح السفر أصبح إلكترونيًا، هذا النضج لم يوفر وقت المواطنين فقط وإنما خفف الضغط على المراكز واختصر الوقت وزاد من كفاءة الاستجابة الأمنية.

ولا ننسى وزارة الإسكان والتخطيط العمراني فنظام "بلدي" سهل خدمات التخطيط وطلبات الأراضي وجميع المخططات أصبحت تُدار بالكامل عبر المنصات الإلكترونية، فالمواطن يقدم طلبه ويتابع حالته ويستلم الموافقات دون تعب ولا حاجة للحضور مما ساهم في رفع شفافية الإجراءات وقلل من زمن هذه الإجراءات.

وكذلك في الهيئة العامة للضرائب والجمارك والتي كان لها تميز من خلال نظام "بيان" الجمركي ونظام الضرائب الإلكتروني حيث تم بهما ربط المنافذ والشركات في شبكة واحدة مما ساهم في تسريع حركة التجارة ومكافحة التهرب الجمركي وزيادة كفاءة التحصيل الحكومي.

وهذا النضج الرقمي أثر على الأداء الحكومي حيث رفع كفاءة الإنفاق وقلل الاعتماد على الورق والمراجعين والمساحات المكتبية.

وأيضًا تعزيز الشفافية والمساءلة لأن كل معاملة مسجلة ومتتبعة مما يقلل من الأخطاء، كما أسهم في تحسين تجربة المتعامل (المواطن أو المقيم) لأنه أصبح يقيس جودة الخدمة الحكومية بتجربته مع التطبيقات العالمية. وبسبب النضج الرقمي أصبحنا ننافس على هذا المستوى، كما أن النضج الرقمي شارك في دعم اتخاذ القرار، وذلك نتيجة للبيانات الضخمة التي تنتجها الأنظمة الإلكترونية والتي أصبحت أساسًا للتخطيط ووضع السياسات.

ورغم هذا التقدم لا تزال مسيرة النضج تواجه بعض التحديات مثل ضمان أمن المعلومات وحماية البيانات الشخصية والحاجة المستمرة لرفع كفاءة الكوادر الوطنية في المجال الرقمي، مع ضرورة التكامل الكامل بين جميع المؤسسات لتجنب "الجزر الرقمية" المعزولة والتي تكون بعيدة عن مشاركة غيرها.

وختامًا، لابد أن ندرك أن نضج المؤسسات الحكومية في استخدام التكنولوجيا والخدمات الإلكترونية لم يعد خيارًا وإنما هو ضرورة وطنية والتجارب التي ذكرناها تؤكد أن الاستثمار في التحول الرقمي هو استثمار مباشر في راحة الجميع، ولذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب منا الانتقال من "تقديم الخدمة إلكترونيًا" إلى "تمكين الإنسان رقميًا" فالحكومة الذكية هي من تجعل حياة الناس أبسط وأسرع وأكثر عدالة وليست من تملك أكبر عدد من التطبيقات.

ونؤكد أن الاستثمار في النضج الإلكتروني هو استثمار في الوقت والزمن والسرعة، فمن يستثمر في ذلك يملك المستقبل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z