آية السيابي **
في خضمّ تحضيري لبحث ثقافي مُنهِك يتعين عليَّ تسليمه في شهر أكتوبر المُقبل، وما يتبع ذلك من دوامة البحث في مراجع عديدة وملاحقة معلومات شحيحة جافة والخوض في تنقيب مُضنٍ، كنت قد عزمتُ على تنحية القراءة الحُرّة جانبًا لا سيّما الروايات منها، حتى يتسنى لي التركيز التام على موضوع البحث.
غير أنَّ تلك الخطط الصارمة تبدّلت عند زيارتي لمكتبة "قُرّاء المعرفة" التي تجيد استعراض أغلفة الروايات فتتبدّى أمامك مثل طاووس يسعى إلى إسقاطك في الغواية. حثّني يومها بإصرار الأستاذ إبراهيم الصلتي، مُؤسِّس المكتبة ومالكها، على اقتناء رواية "جْريبا" للكاتبة وفاء المصلحي، والبدء في قراءتها فورًا. على خجلٍ وجدتني أستلم الرواية بنيّة مبيّتة لنكث الوعد وعدم قراءتها مباشرة إلى أن يشاء الله! لكن، ما إن قلّبتُ صفحاتها الأولى بفضول من أدمن على تصفح الكتب، حتى وجدتُ نفسي ألتهمها كاملة، متجاهلة نداء البحث والمراجع!
تُقدِّم الكاتبة وفاء المصلحي في إصدارها الروائي الأول الصادر عن النادي الثقافي العُماني، عملًا مُغايرًا وجديدًا في المشهد الأدبي العُماني؛ إذ تُصنَّف رواية "جْريبا" ضمن أعمال الواقعية السحرية ذات الهوية العُمانية، نبتتْ أحداثُها وتجذّرت في قلب القرية البعيدة من خلال تراثها الشفهي والمخيال الشعبي؛ لتخرج بذلك عن المسارات الأدبية العُمانية المألوفة في السرد التاريخي أو الاجتماعي، وتستقر في صف ريادة الواقعية السحرية في الرواية العُمانية مع توظيف الموروث الشعبي المرتبط بالغيبيات والعالم الآخر، لغةً، وفكرًا، وأدوات بمعالجة درامية جاذبة.
"جْريبا"، هو عنوان الرواية ومسرح أحداثها، وهي قرية عُمانية بعيدة وصغيرة تقع في المنطقة الشرقية من عُمان. وقد برعت وفاء المصلحي في التوصيف؛ بدءًا من تفاصيل القرية ورائحتها وانتهاءً بذلك الاضطراب النفسي الذي نجحت الرواية في تسريبه إليَّ كقارئٍ عبر "غابش"، الشخصية الرئيسة في الرواية، الذي يعيش تشتُّتًا وجوديًا ووجدانيًا عاصفًا بين العالم الأرضي والعالم الغيبي في حالة من التِيهِ الإنساني الذي يشعر به كلما تبدّى له كائن أسطوري يتجسّد في شخصية "هايمة" من العالم الآخر. تُكرِّر "هايمة" على مسامع غابش: "كيف تخاف وحاميتك موجودة؟" لتُمثِّل بذلك قدرات خارقة سحرية مُهدِّدة وحامية في آنٍ واحدٍ.
تقوم البنية السردية في رواية "جريبا" على عالميْن متوازيين يتداخلان بذكاء. وهو العالم الواقعي الذي يتمثل في الأحداث اليومية بين أفراد العائلة، والعالم الغيبي أو الميتافيزيقي الَمحض الذي تتعطَّل داخله الحدود المألوفة بين المًمكن واقعيًا والمُتخيَّل المُستحيل. ينتقل بينهما السارد وهو بطل الرواية "غابش"، ليظل عالقًا في أزمة وجدانية حادة بين زوجته "شيخة" وبين "هايمة" الحامية الغيبيَّة التي تدّعي أنها أنجبت منه عددًا من الأطفال.
اللافت هنا هو أنه على الرغم من أن "جريبا" هي الرواية الأولى للكاتبة، إلّا أن وفاء المصلحي تجنَّبت الأسلوب التقريري المباشر بفضل اشتغالها على التكثيف والوصف الرصين؛ حيث (ومن وجهة نظري الشخصية) نجحتْ في تحويل مخيال الحكايات الشعبية الموروثة إلى عوالم سردية مكتملة البناء.
** قاصّة وأديبة عُمانية
