د. وليد المحروقي
تشكل تصاريح العمل إحدى الأدوات الرئيسة لتنظيم سوق العمل، إلا أن النظرة التقليدية إليها غالبًا ما تقتصر على كونها إجراءً إداريًا يهدف إلى تنظيم استقدام القوى العاملة.
وفي ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تشهدها سلطنة عُمان، لم يعد من المناسب النظر إلى تصريح العمل باعتباره مجرد موافقة إدارية، بل ينبغي إعادة صياغة مفهومه ليصبح أداة اقتصادية تسهم في رفع الإنتاجية، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز تنافسية المؤسسات، ودعم أهداف التنمية الوطنية.
إن منح تصاريح العمل ينبغي أن يرتبط بالقدرة الإنتاجية للمؤسسة ومدى مساهمتها في الاقتصاد الوطني، وليس فقط بحجم الطلب على العمالة، فالمؤسسات التي تحقق قيمة مضافة حقيقية، وتستثمر في التكنولوجيا والابتكار، وتوفر فرصًا نوعية للتشغيل والتدريب ونقل المعرفة، تستحق أن تحصل على قدر أكبر من المرونة في منح التصاريح، بما ينعكس إيجابًا على الإنتاج والنمو الاقتصادي.
كما أن ربط إصدار وتجديد تصاريح العمل بمؤشرات أداء واضحة، مثل نمو الإنتاجية، ونمو الإيرادات، والاستثمار في التدريب والتأهيل، ونسب التعمين، ونقل المعرفة، واستخدام التقنيات الحديثة، يمكن أن يسهم في توجيه الموارد البشرية نحو الأنشطة الاقتصادية الأكثر كفاءة وتأثيرًا، ويحد من الممارسات التي تعتمد على زيادة أعداد العمالة دون تحقيق أثر اقتصادي ملموس.
فالدراسات والمؤشرات لا تصنع اقتصادًا بمفردها، وإنما قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تتحول نتائجها إلى قرارات وسياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، ثم إلى متابعة حثيثة تقيس أثر تلك المبادرات على أرض الواقع،
إن الفجوة بين الدراسة والتنفيذ والمتابعة من القضايا التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر في إدارة السياسات الاقتصادية؛ لأن الاقتصاد لا يقاس بعدد التقارير التي تنتج، وإنما بما تُحدثه القرارات من أثر في الاستثمار والإنتاج والتوظيف والتنافسية.
فالاقتصاد الحديث لا ينتظر طويلًا. والمتغيرات العالمية في أسواق العمل والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والاستثمار والمنافسة الدولية تتحرك بوتيرة متسارعة. وما قد يكون مناسبًا اليوم قد لا يكون كافيًا غدًا.
ومن هذا المنطلق، فإن أي قرار إداري يمس بيئة الاستثمار أو قدرة المؤسسات على التوسع ينبغي ألا يُقيّم فقط من زاوية التنظيم والرقابة، بل يجب أن يُقاس أيضًا بأثره الاقتصادي على المستثمر والمؤسسة والسوق،
وفي هذا السياق يبرز النقاش حول ربط السجلات التجارية بالرقم المدني للشخص، وما يترتب على ذلك من قيود على تعدد السجلات والأنشطة التجارية،
إن تنظيم السجلات التجارية ومنع إساءة استخدامها هدف مشروع، ولا خلاف على أهمية الرقابة والحوكمة والحد من الممارسات غير النظامية. إلا أن التنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى قيد عام يساوي بين جميع الحالات، دون النظر إلى اختلاف طبيعة الشركات والأنشطة وحجم الاستثمارات وعدد الشركاء وطبيعة الملكية،
فالمستثمر الذي يرغب في التوسع في أكثر من نشاط تجاري قد يحتاج بطبيعة الحال إلى كيانات أو سجلات متعددة، خصوصًا عندما تختلف الأنشطة من حيث طبيعة العمل، وحجم رأس المال، والمخاطر التشغيلية، والشركاء، ومتطلبات التمويل، والمسؤوليات القانونية.
وهنا يبرز سؤال اقتصادي مشروع: هل من المنطقي أن تكون الرغبة في التوسع وتنويع الأنشطة مرتبطة بقيود إدارية لا تراعي اختلاف طبيعة كل نشاط أو هيكل الملكية؟
إن المستثمر لا يبحث فقط عن فتح سجل تجاري جديد، وإنما يبحث عن بيئة تمكنه من بناء أعمال متعددة، وتوزيع المخاطر، وجذب شركاء جدد، وتخصيص رأس المال، وإنشاء كيانات متخصصة بحسب طبيعة النشاط،
وعندما يشعر المستثمر بأن التوسع في نشاط جديد سيؤدي إلى تعقيدات إضافية بسبب ارتباط السجلات بشخص واحد أو رقم مدني واحد، فقد يصبح أكثر تحفظًا في اتخاذ قرار الاستثمار أو التوسع.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نتحدث عن الشركات التي تضم أعدادًا كبيرة من المساهمين، فهل يمكن أن نتعامل بالمنطق الإداري نفسه مع مؤسسة صغيرة يملكها شخص واحد، وشركة تضم عشرات أو أكثر من مئة مساهم، لكل منهم نسبة مختلفة من رأس المال وحقوق والتزامات مختلفة؟
إن ربط السجلات بالرقم المدني قد يكون مفهومًا من زاوية التحقق من هوية المسؤول أو الشريك أو المفوض بالتوقيع، لكنه يحتاج إلى إعادة نظر عندما يتحول هذا الربط إلى أداة تحد من التوسع المؤسسي أو تعدد الكيانات والأنشطة التجارية،
وفي الشركات ذات المساهمين الكثر، فإن الملكية لا تعني بالضرورة أن كل مساهم يدير النشاط أو يتحكم في قراراته اليومية. فهناك فرق جوهري بين المساهم، والشريك، والمدير، والمفوض بالتوقيع، والشخص المسؤول عن الإدارة التنفيذية،
ومن هنا فإن ربط التنظيم الإداري بشخص طبيعي واحد، دون مراعاة الهيكل القانوني والاقتصادي للكيان، قد يؤدي إلى نتائج غير مقصودة على مستوى الاستثمار والتوسع.
ويبقى المطلوب تنظيم ذكي وليس منعًا عامًا فالاقتصاد الحديث لا يحتاج إلى إلغاء الرقابة، بل يحتاج إلى رقابة أكثر ذكاءً، تركز على المخاطر الحقيقية بدلًا من فرض قيود موحدة على جميع المستثمرين.
فعلى سبيل المثال، يمكن بناء منظومة تقييم تعتمد على:
- طبيعة النشاط التجاري.
- حجم رأس المال والاستثمار
- عدد الشركاء والمساهمين
- ارتباط السجلات ببعضها من الناحية التشغيلية
- مستوى الالتزام الضريبي والتأميني والعمالي
- عدد العمالة ونوعيتها
- حجم الإيرادات والنشاط الفعلي
- مستوى الالتزام بالقوانين واللوائح
- وجود مخالفات جوهرية أو مؤشرات على إساءة استخدام السجلات
إن ثقة المستثمر ليست مؤشرًا معنويًا فقط، وإنما هي عنصر اقتصادي قابل للقياس، فالمستثمر عندما يقرر ضخ رأس المال لا ينظر إلى تكلفة تأسيس المشروع فقط، بل ينظر إلى سهولة التوسع، واستقرار الأنظمة، ووضوح الإجراءات، وسرعة اتخاذ القرار، وإمكانية تأسيس كيانات جديدة، والقدرة على تغيير النشاط أو إضافة نشاط، ومدى استقرار البيئة التنظيمية.
