د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
ahmed120.law@gmail.com
تتباين مؤسسات المجتمع المدني اليوم من كونها مجرد أطر تنظيمية لممارسة العمل التطوعي أو تقديم المساعدات والخدمات الاجتماعية إلى اعتبارها شريكا فاعلا في التنمية، وعنصرا مهما في بناء رأس المال الاجتماعي، ومجالا تتقاطع فيه المسؤولية المجتمعية مع الحوكمة والاستدامة وصناعة الأثر.
وتأسيسًا على ذلك، فإن النظر إلى مستقبل الجمعية العُمانية للسرطان في ضوء المستجدات التشريعية لا ينبغي أن ينحصر في حدود مدى توافقها مع قانون مؤسسات المجتمع المدني الجديد، وإنما يتجاوز ذلك إلى النموذج المؤسسي الذي ينبغي أن تكون عليه الجمعية في المرحلة القادمة.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع صدور المرسوم السلطاني رقم 64/2026 بإصدار قانون مؤسسات المجتمع المدني، الذي أعاد تنظيم الإطار القانوني لمؤسسات المجتمع المدني العمانية. حيث أن المرحلة الحالية لا يكفي فيها أن تحافظ الجمعية العمانية للسرطان على الإنجازات التي حققتها خلال الفترة الماضية، وإنما يتعين عليها أن تعيد النظر والتفكير في بيان رؤيتها ورسالتها، وترسخ ثقتها، وتوسع نطاق شراكاتها، وتنوع وتعدد من وسائلها وأدواتها، وأن تعمد على تحويل هذا المستجد القانوني من مجرد التزام قانوني إلى سانحة لإعادة صناعة وصياغة مستقبلها.
ولتحقيق ذلك، ينبغي من القائمين على هذه الجمعية، التركيز على العديد من العوامل، وتفعيل بعض الوسائل، وذلك على النحو الآتي:
من توفيق الأوضاع إلى إعادة صياغة البنية المؤسساتية والاختصاصات الوظيفية:
من الوهلة الأولى قد يبدو توفيق الأوضاع في ظاهره إجراءً قانونيًا يتمثل في مراجعة النظام الأساسي واللوائح والقرارات والهياكل بما يتفق مع القانون الجديد، إلا أن القراءة الأعمق تجعل من هذه المرحلة فرصة لإعادة تقييم النموذج المؤسسي برمته. فالقوانين الحديثة لا تستهدف النظرة الضيقة في التوافق القانوني بين هذه المؤسسات والتشريعات النافذة، بل تتجاوز ذلك من خلال وضع الأطر القانونية التي تمكن هذه المؤسسات من ممارسة اختصاصاتها بصورة نظامية، ووفق هيكلية واختصاصات متناغمة ومتجانسة من طبيعتها المؤسسية، ووضع الأطر التنظيمية التي من شأنها تجويد منظومة عملها الإداري، وتطوير موردها المالي، مع استحضار عناصر الشفافية والمساءلة في الممارسة العملية.
ولئن كانت عملية التوفيق هي واجب قانوني يلزم الجمعية العمانية للسرطان القيام بتوفيق أوضاعها وفق المستجد التشريعي الجديد، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا الإطار هو: هل نحن أمام الإبقاء على النموذج المؤسسي القائم مع القيام باجراء التعديلات التي نص عليها القانون أم استثمار هذا القانون في إعادة بناء نموذج مؤسسي أكثر تطورًا وقدرةً على مواجهة المخاطر وبناء أثر مستدام؟
الإجابة على هذا السؤال تكمن في كون الجمعية العمانية للسرطان ليست مؤسسة حديثة النشأة ما زالت تبحث عن تعريف لذاتها، بل هي مؤسسة ترتبط بطبيعة علائقية مع المصلحة العامة للدولة في مجال يتنامى يوم بعد يوم، لذا فان مرحلة التوفيق قد تتطلب إعادة النظر في هيكلها التنظيمي، واختصاصات أجهزتها، وآليات اتخاذ القرار بها، بالإضافة إلى تقييم النظامين الإداري والمالي، وأوجه الرقابة الداخلية، وعلاقتها بالمتعاملين معها من الشركاء والمتطوعين والمستفيدين من خدماتها. وبذلك نكون ليس أمام مجرد امتثال للنص بقدر ما نكون أقرب إلى إعادة هندسة مؤسسية، فغاية المشرع لا تنحصر في التزام القانوني بقدر تصحيح بعض المسارات وإيجاد بعض المساقات التي تمكن هذه الجمعية ومثيلاتها من تعزيز بنيتها المؤسساتية، وتحقيق غايات التنمية المجتمعية المستدامة.
الحوكمة والاستدامة المالية: أساس المستقبل المؤسسي
لا جرم أن قانون مؤسسات المجتمع المدني قد قام بتأطير النظم القانونية والإدارية والمالية الخاصة بمؤسسات المجتمع المدني، إلا أن هذا التأطير لن يحقق الغاية منه، إلا من خلال قيام الجمعية ببناء حوكمة مؤسساتية قادرة على النمو والاستمرار. حيث أن العمل التطوعي المستدام لا يقوم على الأشخاص وحدهم مهما بلغ اخلاصهم وتفانيهم في العمل وتنوعت وتعددت خبراتهم، بل يتطلب بناء منظومة مؤسسية تضمن البناء الهيكلي الرصين وتحدد وضوح الاختصاصات، وتعمد على البناء السليم لتداول المسؤولية، وتبنى الشفافية والمساءلة في اتخاذ القرارات.
وغني عن البيان أن النصوص القانونية الحاكمة للجمعية العمومية، ومجلس الإدارة، وفترة العضوية، والمسؤولية عن القرارات، كلها نصوص تكتسب أهمية تتجاوز الجانب الإجرائي؛ كونها تؤسس لفكرة جوهرية تتمثل في أن القيادة في مؤسسات المجتمع المدني مسؤولية مؤسسية وليست امتيازًا شخصيًا.
ولا غرو أن المرحلة القادمة من مسيرة الجمعية العمانية للسرطان بحاجة إلى الانتقال من مفهوم الإدارة اليومية إلى مفهوم الحوكمة الاستراتيجية؛ بحيث يصبح مجلس الإدارة معنيًا بصورة أكبر بتحديد الاتجاهات الكبرى، ومراقبة الأداء، وإدارة المخاطر، وضمان الاستدامة، في حين يترك المجال إلى الإدارة التنفيذية لتتولى ترجمة تلك التوجهات إلى برامج ومشروعات قابلة للقياس.
وتجدر الإشارة إلى أن الاستدامة المالية لا تقل أهمية عن الحوكمة، فالجمعية التي تعتمد على التبرعات الموسمية أو المبادرات الفردية تظل معرضة لتقلب الموارد، مهما كانت قوة رسالتها. أما الجمعية المستدامة فهي التي تنظر إلى التمويل باعتباره جزءًا من استراتيجيتها المؤسسية. ومن ثم يترتب على الجمعية العمانية للسرطان إعادة صياغة فلسفتها المالية؛ من تمويل الأنشطة والبرامج إلى بناء نظام مالي مستدام. وهذا لا يعني تحويل الجمعية إلى كيان ربحي، وإنما امتلاكها إلى نظام مالي يتصف بالتنوع والتعدد بغية تمكينها من الاستمرارية في تنفيذها استراتيجيتها، والحد من المخاطر التي قد تعرضها لانقطاع هذا المورد.
الجمعية ذات النفع العام: من العمل الأهلي إلى الشراكة الوطنية
بمطالعة النصوص الحاكمة للجمعية ذات النفع العام التي نص عليها قانون مؤسسات المجتمع المدني، فإن هذا التطور التشريعي يفتح أمام الجمعية العمانية للسرطان أفقا استراتيجيا أوسع لاكتساب هذه الصفة، كونها تقدم خدمات جليلة للمجتمع المحلي من خلال تقاطع طبيعة عملها مع كل من الأولويات الصحية والاجتماعية ونطاق المسؤولية المجتمعية.
وبنظرة استشرافية قد تكون المرحلة المقبلة مناسبة للانتقال من مفهوم العلاقة القائمة على "الدعم الحكومي أو الأهلي" إلى مفهوم "الشراكة الوطنية". بحيث يكون هناك نقلة نوعية للجمعية العمانية للسرطان من مجرد جهة تتلقى الدعم لتنفيذ مشروعاتها وبرامجها إلى جمعية تمتلك الخبرة الميدانية والمعرفة الصحية والنفسية والاجتماعية التي تمكنها من المساهمة في تطوير الأنشطة والبرامج والعمل على قياس أثرها المجتمعي.
والغاية من ذلك خلق فرص شراكة حقيقية مع مؤسسات القطاع الخاص، لا تبنى على تقديم التبرعات والدعم المادي، وإنما على خلق برامج تعاونية وفق خطط زمنية تستهدف التوعية والكشف المبكر وتقديم الدعم اللازم للمرضى والناجين، وتمويل البحوث والدراسات العلمية التي من شأنها الحد من انتشار هذا المرض في المجتمع. وبذلك تبنى الطبيعة العلائقية بين الجمعية والقطاع الخاص على الشراكة في صناعة الأثر عوض الشراكة التمويلية.
من تقديم الخدمة إلى صناعة المعرفة والسياسة الصحية
لا مندوحة أن مستقبل الجمعية لا ينبغي أن ينحصر في العنصر الكمي القائم على عدد البرامج التي تنفذها أو عدد المستفيدين منها، وإنما في قدرة هذه الجمعية على إنتاج المعرفة والخبرة. ومما لا ريب فيه أن الجمعية بحكم قربها من المرضى والناجين والأسر والمجتمع تمتلك معرفة ميدانية لا تتوافر بالضرورة لدى المؤسسات الصحية الأخرى. وهذه المعرفة يمكن تحويلها إلى دراسات وتقارير ومؤشرات ومن ثم إلى توصيات، مما يجعل الجمعية مصدرًا من مصادر المعرفة المجتمعية المرتبطة بالسرطان.
وتماشيًا مع ذلك، لا يكتفي العمل المؤسسي المتقدم على تقديم الخدمة، بل يتعدى ذلك إلى كيفية تجويد الخدمة، ومواكبة التشريعات والتطورات الصحية، ومدى تحقيق الأثر المطلوب في الحد من الآثار الصحية على بيئة المجتمع. إلا أن القيام بذلك لا يعني تحويل الجمعية إلى جهة تشريعية أو تنفيذية، وإنما جعلها مؤسسة مجتمعية تقوم على نقل الخبرة الميدانية بصورة علمية ومنهجية إلى الجهة المختصة. ومن ثم يمكن للجمعية أن تكون مؤسسة تنتج المعرفة من واقع التجربة المجتمعية، وتستخدمها لتطوير الخدمة وصناعة الأثر.
التحول الرقمي وحماية الثقة: نحو جمعية المستقبل
لا مشاحة في القول أن الجمعيات الحديثة على اختلاف أنواعها وتعدد اختصاصاتها، لا مناص لها من استخدام البيانات والمنصات الالكترونية وإدارة المستفيدين من خدماتها، بالإضافة إلى التمويل عبر الأنظمة الرقمية والتواصل الالكتروني، عوضًا عما قد يشهده العالم التقني من تسارع في تحليل البيانات وإدارة البرامج التكنولوجية.
ولئن كان ذلك بالنسبة للجمعيات بشكل عام، فانه بالنسبة للجمعية العمانية للسرطان على وجه الخصوص يمثل التحول الرقمي مسؤولية قانونية وأخلاقية مضاعفة؛ لأن البيانات التي قد تتعامل معها الجمعية يمكن أن تتضمن بيانات صحية، وهي من البيانات التي أخضعها قانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2022، لحماية وضوابط خاصة. ويحظر القانون معالجة البيانات الشخصية إلا بموافقة صاحب البيانات نفسه.
والبين من ذلك أن الثقة التي يمنحها المريض للجمعية عندما يقدم بياناته ليست أقل أهمية من الدعم الذي يتلقاه منها. وينبغي أن ينحصر استخدام التقنيات الحديثة في إطار محكم بمبادئ المسؤولية والخصوصية والشفافية.
وصفوة القول؛ لا تفرض المستجدات التشريعية على الجمعية العُمانية للسرطان مجرد إعادة ترتيب وضعها القانوني، وإنما تضع أمامها فرصة لإعادة التفكير في صورتها المستقبلية. حيث أن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من العمل الأهلي التقليدي إلى العمل المؤسسي المتخصص، ومن المبادرات المتفرقة إلى البرامج المستدامة، ومن الاعتماد على التبرعات إلى تنويع الموارد، ومن الإدارة القائمة على الأشخاص إلى الحوكمة، ومن تقديم الخدمة إلى صناعة المعرفة، ومن العلاقة التقليدية مع الشركاء إلى تكوين شراكات مؤسسية فاعلة. فالغاية الأسمى أن تتحول هذه الجمعية من مجرد جمعية تقدم خدمات إنسانية إلى نموذج متقدم لمؤسسات المجتمع المدني المتخصصة، تجمع بين العمل التطوعي والكفاءة المؤسسية، وبين البعد الإنساني والقدرة على صناعة المبادرات المجتمعية ذات الأثر المستدام.
لذا نوصي الجمعية العمانية للسرطان بدراسة التوصيات الآتية:
- مراجعة أنظمة الجمعية ولوائحها وهيكلها التنظيمي واختصاصات أجهزتها بما يتلاءم مع المستجدات التشريعية.
- تعزيز الحوكمة المؤسسية من خلال تحديد الاختصاصات والصلاحيات وتفعيل آليات الشفافية والمساءلة وإدارة المخاطر وقياس مؤشرات الأداء.
- تنويع مصادر التمويل وبناء شراكات مستدامة مع القطاع الخاص وفق النصوص القانونية الحاكمة.
- تكوين شراكات مع المؤسسات الصحية والبحثية والتعليمية، لتقديم دعم اجتماعي ونفسي واقتصادي، عوضًا عن الدعم الطبي الذي تختص به المؤسسات الصحية.
- الاستثمار في التحول الرقمي والمعرفة المتخصصة وبناء قواعد بيانات الكترونية.
- إعادة صياغة دور الجمعية بحيث لا يقتصر دورها على تقديم الدعم، وإنما المساهمة في التوعية والبحث والمبادرات والشراكات وصناعة الأثر المجتمعي.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
