زاهر ناصر حمد الكويلي
يمثل موسم الخريف في محافظة ظفار فرصة استثنائية يمكن توظيفها بصورة أكبر لتعزيز النشاط السياحي والاقتصادي والمعرفي، إذ لا ينبغي أن يقتصر استثمار هذا الموسم على السياحة الترفيهية والاستمتاع بالطبيعة والأجواء المناخية المميزة، وإنما يمكن أن يمتد ليشمل تنظيم المؤتمرات والندوات والورش التدريبية والملتقيات المتخصصة، بما يجعل من موسم الخريف منصة متكاملة تجمع بين السياحة والمعرفة والاستثمار والتنمية.
وتتميز محافظة ظفار خلال موسم الخريف بإقبال متزايد من الزوار من داخل سلطنة عُمان وخارجها، وهو ما يوفر بيئة مناسبة
لاستضافة مختلف الفعاليات والمؤتمرات، خصوصًا تلك التي ترتبط بالقطاعات الاقتصادية والسياحية والبيئية والثقافية والقانونية والإدارية. ومن شأن استقطاب هذه الفعاليات أن يسهم في تعزيز مكانة المحافظة كوجهة قادرة على استضافة الأحداث والمؤتمرات، إلى جانب ما تتمتع به من مقومات طبيعية وسياحية فريدة.
إن تنظيم المؤتمرات والورش خلال موسم الخريف يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، من خلال زيادة إشغال
الفنادق والشقق الفندقية، وتنشيط المطاعم والمقاهي ووسائل النقل، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والحرفيين وأصحاب المشاريع المرتبطة بالقطاع السياحي، كما أن المشاركين في المؤتمرات غالبًا ما يحتاجون إلى خدمات متعددة، الأمر الذي يخلق حركة اقتصادية تمتد إلى قطاعات مختلفة، ويجعل من الفعاليات المهنية والمعرفية رافدًا إضافيًا للاقتصاد المحلي.
ومن الجانب المعرفي، فإن إقامة المؤتمرات والورش تفتح المجال أمام تبادل الخبرات والتجارب بين المختصين والأكاديميين والباحثين والمهنيين، كما توفر فرصة للشباب والطلبة والمهتمين
للاستفادة من البرامج التدريبية والمحاضرات المتخصصة. ويمكن أن تكون هذه الفعاليات وسيلة لتعزيز البحث العلمي وتشجيع الابتكار ومناقشة التحديات التي تواجه مختلف القطاعات، خصوصًا في المجالات التي ترتبط بأولويات التنمية الوطنية.
كما أن اختيار موسم الخريف لتنظيم هذه الفعاليات يمنح المشاركين تجربة مختلفة، تجمع بين حضور البرامج المهنية والاستفادة
من الأجواء الطبيعية والسياحية التي تتميز بها ظفار. وهذا النوع من السياحة، المعروف بسياحة المؤتمرات والفعاليات، يمكن أن يمثل مجالًا مهمًا لتنويع المنتج السياحي العُماني، واستقطاب شرائح جديدة من الزوار، وعدم حصر النشاط السياحي في
البرامج الترفيهية التقليدية.
ومن المهم في هذا الجانب وضع روزنامة سنوية متكاملة للفعاليات والمؤتمرات والورش خلال موسم الخريف، بحيث يتم الإعلان
عنها مبكرًا، وإتاحة الفرصة للجهات الحكومية والخاصة والجامعات والمؤسسات الأكاديمية والمهنية لتنظيم فعالياتها ضمن برنامج واضح ومنظم. كما يمكن التنسيق بين الجهات المعنية بالسياحة والبلديات والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص لضمان
تكامل الخدمات ورفع جودة تنظيم هذه الفعاليات.
ويمكن كذلك استثمار موسم الخريف في تنظيم مؤتمرات دولية وإقليمية تستضيف شخصيات وخبراء ومختصين من مختلف الدول، الأمر الذي يسهم في الترويج لمحافظة ظفار وسلطنة عُمان بصورة عامة، ويعزز حضورها على خارطة سياحة الأعمال والمؤتمرات، فكل فعالية ناجحة تستضيف مشاركين من الخارج تمثل في حد ذاتها فرصة للتعريف بالمقومات السياحية والثقافية والاقتصادية التي تزخر بها السلطنة.
ولا شك أن تطوير هذا الجانب يحتاج إلى توفير البنية المناسبة لاستضافة المؤتمرات، من قاعات مجهزة وتقنيات حديثة وخدمات
لوجستية متطورة، إلى جانب تحسين وسائل النقل والخدمات المساندة، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الجهات. كما أن الاستثمار في الكوادر الوطنية المتخصصة في إدارة وتنظيم المؤتمرات سيكون له دور مهم في بناء صناعة متقدمة للفعاليات في السلطنة.
إن موسم الخريف ليس مجرد فترة سياحية موسمية، بل فرصة تنموية يمكن توظيفها في مجالات متعددة. وإذا ما جرى استثمارها
بصورة مدروسة، فإن تنظيم المؤتمرات والورش والملتقيات العلمية والمهنية يمكن أن يتحول إلى عنصر أساسي في تنشيط الاقتصاد المحلي، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير القدرات الوطنية، وتعزيز السياحة، وإيجاد حراك معرفي وثقافي متواصل.
وفي ظل ما تشهده سلطنة عُمان من اهتمام متزايد بتنويع الاقتصاد وتعزيز القطاعات غير النفطية، فإن تطوير سياحة المؤتمرات
والفعاليات خلال موسم الخريف يمكن أن يكون أحد المسارات المهمة لتحقيق قيمة اقتصادية ومعرفية مستدامة. فالجمع بين جمال الطبيعة في ظفار، والمناخ المميز، والخدمات الحديثة، والفعاليات العلمية والمهنية، من شأنه أن يقدم نموذجًا سياحيًا متكاملًا يحقق الفائدة للزائر والمجتمع والاقتصاد في آن واحد.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التعامل مع موسم الخريف باعتباره موسمًا سياحيًا فقط إلى اعتباره موسمًا للتنمية والحركة الاقتصادية والمعرفية، عبر برنامج متكامل للمؤتمرات والورش والملتقيات والفعاليات المتخصصة، فكلما توسعت دائرة الفعاليات النوعية، ازدادت القيمة المضافة للموسم، وأصبحت محافظة ظفار أكثر قدرة على استثمار مقوماتها الطبيعية والسياحية في خدمة التنمية الوطنية، وترسيخ مكانتها كوجهة سياحية ومعرفية
واعدة على المستويين الإقليمي والدولي.
