حسين الراوي
ليس من السهل أن تتعامل مع كتاب يمتد على 428 صفحة من الحكايات الشعبية دون أن تدرك منذ الصفحات الأولى أنك أمام مشروع يتجاوز التسلية إلى ما هو أبعد: حفظ الذاكرة. في كتاب «يا حَزاية أحزي لكم: حكايات من أرض اللبان».
عزيزي القارئ،
تخيّل أن يقع بين يديك كتاب من 428 صفحة، مملوء بالحكايات الكثيرة والمتنوعة، وعددها 101 حكاية!
ألا يكون صاحب ذلك الكتاب كريماً؟
ألا يكون صاحب ذلك الكتاب يتمتع بمزاج عالٍ كتابياً؟
ألا يكون هذا الكتاب ثميناً، لا كتاباً من نوع “حيّ الله كتاب”؟

* ألو، السلام عليكم، صباح الفل.
ثمنة: وعليكم السلام، صباح النور.
* أُعرّفك بنفسي، أنا أحد معجبيك.
ثمنة: يا أهلاً وسهلاً، حياك الله.
* أهنيك وأحييك على إصدارك المميز جداً، «يا حَزاية أحزي لكم».
ثمنة: الله يبارك فيك. من أنت؟
* أنا الكاتب حسين الراوي.
ثمنة: يا هلا يا هلا، أنا أطير من الفرحة، والله أمس كنتِ على بالي.
وبهذه الأخوّة والمحبة دار حديث قصير بيني وبين الأستاذة ثمنة عبر الهاتف في صباح الأحد 30 أغسطس 2026، انتهى بالاتفاق على لقاء قريب بإذن الله. تستحق ثمنة أن تصل إلى مسامعها كلمات ملوّنة من الشكر على ما تقدّمه للقرّاء.
ثمنة الجندل، العمانية الظفارية الأصيلة، زعيمة “الحكواتيات” العمانيات، عبر هذا النتاج الأدبي المميز، قدّمت هدية كبيرة للمكتبة العربية والأجنبية.
في هذا الكتاب، لا تكتفي الكاتبة العُمانية ثمنة بنت هوبيس الجندل بسرد الحكايات، بل تعيد إحياء صوتٍ قديم كاد أن يخفت؛ صوت الحكّاءة التي كانت تمنح الليل معنى، وتنسج من الخيال واقعاً موازياً.
من خلال عناوين الحكايات وحدها، يتبدّى للقارئ اتساع العالم الذي يقدّمه الكتاب. فبين «ورقة الصبر» و«الدنيا دوّارة»، وبين «جلد النملة» و«الطاووس الذهبي»، نحن أمام نسيج حكائي تتجاور فيه الحكمة مع الأسطورة، والتجربة اليومية مع الخيال، في صورة تعكس ثراء الوعي الشعبي في ظفار، أو ما يُعرف تاريخياً بـ«أرض اللبان».
لا يتعامل هذا الكتاب مع الحكاية بوصفها نصاً أدبياً فحسب، بل بوصفها وعاءً للقيم. عناوين مثل «حصاد اللسان»، «على نياتكم تُرزقون»، «ميزان الأب لا يميل»، و«من تواضع لله رفعه» تكشف عن حضور كثيف للحكمة الشعبية، التي تتحول هنا من جملة موجزة إلى سرد حيّ يتجسّد في مواقف وشخصيات وأحداث. وهذه إحدى نقاط قوة الكتاب، إذ ينجح في نقل الحكمة من التجريد إلى التجربة.
وفي موازاة ذلك، يفتح الكتاب باب الخيال الشعبي على مصراعيه. حكايات مثل «الوسادة العجيبة»، «الصناديق الثلاثة»، «لغة الطيور»، و«جنيّة القُرم» تنتمي إلى عالم رمزي مشحون بالدهشة، حيث تختلط الممكنات بالغرائبي، ويغدو المستحيل جزءاً من بنية السرد. هذا الحضور لا يبدو منفصلاً عن الواقع، بل هو امتداد له، كما جرت العادة في الحكايات الشفوية التي لا تفصل بين الواقع والأسطورة بحدود صارمة.
أما البيئة الظفارية، فهي ليست مجرد خلفية مكانية، بل عنصر فاعل في تشكيل الحكاية. في «شجرة اللبان»، «بحر الزين»، «صياد الحمام»، و«عين السلطانة»، تحضر الطبيعة بوصفها ذاكرة موازية للإنسان، تشارك في صياغة الحكاية وتحديد ملامحها. وهنا ينجح الكتاب في تقديم صورة ثقافية متكاملة للمكان، لا عبر الوصف المباشر، بل من خلال السرد ذاته.
ولا تغيب العلاقات الاجتماعية عن هذا العالم الحكائي. فحكايات مثل «الحطاب وبناته الثلاث»، «وقاحة زوجة الابن»، «اختبار الصديق»، و«صديق الشدائد وصديق الموائد» تكشف عن بنية المجتمع وقيمه من داخل الحكاية لا من خارجها. إنها نصوص تعلّم دون وعظ مباشر، وتنتقد من خلال الموقف لا الخطاب.
ورغم هذا الثراء، يواجه العمل تحدياً يمكن التوقف عنده نقدياً، يتمثل في أن الامتداد الكبير (428 صفحة) قد يجعل بعض الحكايات متقاربة في بنيتها أو رسالتها الأخلاقية، وهو أمر مألوف في الأدب الشعبي الذي يعتمد على التكرار بوصفه وسيلة ترسيخ. غير أن هذا لا ينتقص من قيمة العمل بقدر ما يضعه في سياقه الطبيعي كأدب نابع من الذاكرة الجماعية لا من الفردية الخالصة.
من جهة أخرى، تُحسب للكاتبة قدرتها على الحفاظ على روح الحكاية الشفوية، وهو ما يظهر حتى في عناوين مثل «شلني والا بشلك» و«با طيح.. با طيح»، حيث تحضر اللغة الحية القريبة من المجالس لا اللغة المصقولة البعيدة عن نبض الناس. وهذا ما يمنح النص صدقه ويقرّبه من المتلقي.
في المحصلة، لا يبدو «يا حَزاية أحزي لكم» مجرد كتاب حكايات، بل مشروعاً ثقافياً يسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة الشفوية، وتحويلها إلى نص مكتوب قابل للبقاء. إنه عمل يعيد الاعتبار للحكاية، لا بوصفها تسلية عابرة، بل بوصفها أحد أشكال الوعي الجمعي.
وفي زمن تتسارع فيه التفاصيل نحو النسيان، يأتي هذا الكتاب ليذكّرنا بأن ما يُروى لا يموت… بل ينتظر من يكتب.
وبقي أن نشكر إدارة دار بورصة الكتب للنشر على طباعة هذا الكتاب الثمين.
