كيف تستجيب «منظمة شانغهاي للتعاون» لتطلعات الجنوب العالمي؟

 

 

 

ليانغ سوو لي **

مع تسارُع صعود الجنوب العالمي، يواجه العالم سؤالًا بات أكثر إلحاحًا: مع التحولات العميقة في ميزان القوى العالمي، هل ينبغي لمنظومة الحوكمة العالمية أن تتغير هي الأخرى بما يتناسب مع هذه التحولات؟

ربما يمكن العثور على إجابة لهذا السؤال في محطة زمنية ذات دلالة.

ففي الأول من سبتمبر 2025، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة الحوكمة العالمية خلال اجتماع «منظمة شانغهاي للتعاون بلس» الذي عقد في مدينة تيانجين، داعيًا إلى الالتزام بالمساواة في السيادة، والامتثال لحكم القانون الدولي، وممارسة التعددية، والدعوة إلى نهج يركز على الشعوب، والتركيز على اتخاذ إجراءات فعلية، مع التأكيد على تعزيز تمثيل الدول النامية وسماع صوتها.

فلماذا كان طرح المبادرة في إطار «منظمة شانغهاي للتعاون» تحديدًا؟

لأنها توفر لدول الجنوب العالمي منصة مهمة لتعزيز التعاون والمشاركة في الحوكمة الدولية. فهي تمتد عبر القارة الأوراسية، ويشكل مجموع سكان دولها أكثر من 40 في المائة من سكان العالم، وتضم دولًا متنوعة في تركيبتها ومستويات التنمية فيها، لكنها تمكنت من البحث عن المصالح المشتركة من خلال التشاور على أساس المساواة. ومن ثم، فإن طرح مبادرة الحوكمة العالمية هنا لم يكن مصادفة؛ إذ ثمَّة تناغم واضح بين السؤال الذي تطرحه المبادرة بشأن الحوكمة العالمية، والمسار الذي دأبت المنظمة على استكشافه في مجال التعاون.

فماذا تستطيع منظمة شانغهاي للتعاون أن تقدم، في وقت يتطلع فيه الجنوب العالمي إلى مساحة أوسع للتنمية وحق أكبر في التعبير الدولي؟

أولًا: أنها تفتح آفاقًا أوسع للتنمية؛ فالمنافسة التنموية اليوم لم تعد تقتصر على الأسواق والتجارة، بل امتدت إلى الطاقة وسلاسل الصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والتحول الأخضر. وفي هذا السياق، تدرج المنظمة هذه المجالات ضمن أطر التعاون، بما يسهم في ربط الأسواق والموارد ورؤوس الأموال والتكنولوجيا عبر الامتداد الأوراسي.

وقد أقرّت قمة المنظمة في تيانجين لعام 2025 «استراتيجية منظمة شانغهاي للتعاون للعشر سنوات المقبلة (2026-2035)»، كما دفعت باتجاه إنشاء منصات للتعاون في مجالات الطاقة والصناعات الخضراء والاقتصاد الرقمي، بما يعكس تنامي أهمية قضايا التنمية في أجندة المنظمة.

ولهذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول العربية؛ فالسعودية ومصر وغيرهما من الدول العربية الشريكة مع المنظمة لا تفتقر إلى قنوات التعاون الدولي، بقدر ما تبحث عن مساحات تعاون أكثر تنوعًا. ومع قيام المنظمة بتطوير آليات للتعاون مع جامعة الدول العربية، بدأت الصلات بين العالم العربي وأوراسيا تتجاوز مستوى العلاقات بين الدول منفردة، لتتجه نحو منصة للتعاون العابر للحدود.

لكن إذا كان التعاون التنموي يجيب عن سؤال «هل توجد خيارات إضافية؟»، فإن القيمة الأعمق للمنظمة تكمن في سؤال آخر: هل تستطيع هذه الدول المشاركة في بناء القواعد؟

وهنا تكمن معضلة أخرى طالما واجهها الجنوب العالمي.

فمع تزايد الوزن السكاني والاقتصادي لدول الجنوب العالمي، لا يزال هناك تفاوت بين هذا الوزن وبين مستوى تمثيلها وتأثيرها في صياغة القواعد الدولية. ولذلك، فهي لا تحتاج إلى الأسواق والاستثمارات فحسب، بل تحتاج أيضا إلى فرص أكبر للمشاركة في بناء القواعد الدولية.

وهنا تقدم منظمة شانغهاي للتعاون مسارًا عمليًا؛ فالمنظمة لا تشترط تقارب النُظُم السياسية بين أعضائها، ولا تطالب الحضارات المختلفة بتبني نموذج قيمي واحد، وإنما تستند إلى مبادئ الثقة والمنفعة المتبادلة والمساواة والتشاور واحترام تنوع الحضارات والسعي إلى التنمية المشتركة، من أجل التوصل إلى المصالح المشتركة. ولهذه الآلية دلالة مهمة في السياسة الدولية: اختلاف الدول لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام التعاون، كما لا ينبغي لحجم الدولة أو قوتها أن يكون معيارًا لتحديد من يملك حق إبداء الرأي.

وهذا تحديدًا هو أحد الأسس الواقعية التي تنطلق منها مبادرة الحوكمة العالمية في تأكيدها المساواة في السيادة والدفع نحو مزيد من الديمقراطية في العلاقات الدولية.

وفي الوقت نفسه، لا تسعى منظمة شانغهاي للتعاون إلى إنشاء منظومة موازية للنظام الدولي القائم؛ فهي تحافظ منذ سنوات على تعاون مع الأمم المتحدة، حيث واصل الجانبان في عام 2026 مشاوراتهما. وهذا يعني أن المنظمة تُوَفِّر منصة على المستوى الإقليمي وعابر الأقاليم للمشاركة والتنسيق وبناء التوافق، تستطيع الدول من خلالها بلورة مصالحها المشتركة، ثم المشاركة بصورة أكثر تنظيما في الحوكمة العالمية.

وتبرُز قيمة هذه المنصة بصورة خاصة بالنسبة إلى الدول العربية التي تمضي في مسارات التحول الاقتصادي وتطوير الصناعات وإعادة ترتيب علاقاتها الخارجية. فهذه الدول لا تحتاج فقط إلى أن تكون «مُدمجة» في منظومة قائمة، بل تحتاج إلى امتلاك قدرة أكبر على تشكيل البيئة التي تحدد مسارات تنميتها. ومن خلال تعزيز علاقاتها بمنظمة شانغهاي للتعاون، تستطيع الدول العربية الربط بين ما تمتلكه من موارد الطاقة ورؤوس الأموال والأسواق والموقع الجغرافي، وبين احتياجات التنمية في أوراسيا، كما يمكنها، عبر شبكات أوسع من التعاون بين دول الجنوب، توسيع هامش خياراتها في القضايا الدولية.

ومن هنا، فإن ما يستحق الاهتمام به في منظمة شانغهاي للتعاون ليس عدد أعضائها ولا عدد الوثائق التي توقعها، بقدر ما هو السؤال الأوسع الذي تساعد على طرحه: إذا كان العالم يتجه نحو مزيد من التعددية القطبية، أفلا ينبغي أن تصبح الحوكمة الدولية أكثر تعددية أيضًا؟

إنَّ طرح مبادرة الحوكمة العالمية خلال اجتماع «منظمة شانغهاي للتعاون بلس» يكشف بوضوح عن الصلة بين المسارين؛ فالمبادرة تطرح الرؤية والاتجاه اللازمين لتحسين الحوكمة العالمية، بينما توفر منظمة شانغهاي للتعاون تجربة متعددة الأطراف يمكن من خلالها تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة عملية.

إنَّ صعود الجنوب العالمي لا يعني مجرد تغير في خريطة الاقتصاد العالمي، بل يعني أيضا أن عددا متزايدا من الدول يريد أن يكون له دور أكبر في القضايا الدولية التي تمس مصيره ومستقبله.

وربما تكمن قيمة منظمة شانغهاي للتعاون هنا تحديدًا: في أنها تتيح لدول أكثر أن ترى أن للتنمية مسارات متعددة، وللتعاون شركاء أكثر، وللحوكمة الدولية أصواتًا أكثر.

وهذا لا يعني رفض النظام الدولي القائم، بقدر ما يعكس تطلعًا إلى نظام أكثر تعددية وتمثيلا، وأكثر قدرة على التعبير عن التوازن الحقيقي للقوى في العالم.

ومع دخول العالم مرحلة جديدة من التعددية القطبية، فإنَّ الأطراف القادرة على إتاحة المجال أمام عدد أكبر من الدول للمشاركة فيها، ستكون الأقدر على فتح آفاق جديدة أمام الحوكمة العالمية في المستقبل.

** إعلامية صينية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z