د. حامد بن عبدالله البلوشي
حين تهب نسائم الخريف على جبال ظفار، وتنساب السحب البيضاء على سفوحها، وتكتسي الأرض بردائها الأخضر، تبدو المحافظة وكأنها تستعيد موعدًا سنويًا مع الجمال. موعدٌ لا يأتي إليه أهلها وحدهم، بل تهفو إليه القلوب قبل الخطى، وتشد إليه الرحال من مختلف محافظات السلطنة ومن خارجها. إنّه خريف ظفار؛ ذلك الموسم الذي تحوّل مع مرور الأعوام إلى علامة سياحية بارزة، ونافذة يطل منها الزائر على وجه آخر من أوجه عُمان الغنية بالطبيعة والتراث والثقافة.
وقد أولت السلطنة القطاع السياحي عناية واضحة، واهتماما زائدا، انطلاقا من إدراكها لما تزخر به البلاد من مقومات طبيعية، وثقافية، وتراثية متنوعة، وما يمكن أن يسهم به هذا القطاع المهم في الاقتصاد الوطني والتنمية المحلية. وتعمل وزارة التراث والسياحة على تطوير المنتج السياحي، وتعزيز حضور السلطنة على خارطة السياحة الإقليمية والعالمية، بما يتوافق مع مستهدفات التنمية ورؤية "عُمان 2040".
إنَّ الاهتمام العُماني بالسياحة امتد أثره إلى المحافل العربية والدولية، وحظيت السلطنة بتقدير يعبر عما حققته من حضور متنام في المشهد السياحي، وكان من نتيجة ذلك منح حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم -حفظه الله ورعاه- في أبريل 2026م، وسام «قلادة السياحة العربية من الطبقة الممتازة» من المنظمة العربية للسياحة، تقديرًا لإسهامات جلالته في دعم العمل العربي المشترك وتعزيز التكامل بين الدول العربية لا سيما في القطاع السياحي.
ويأتي موسم خريف ظفار في مقدمة تلك المواسم السياحية؛ بما يميز هذه المنطقة الساحرة من طقس استثنائي في منطقة الخليج خلال أشهر الصيف، وما يصاحبه من اخضرار الجبال، وتكوّن الضباب، وجريان العيون، وتنوع المشاهد الطبيعية، فضلا عن الشواطئ، والجبال، والكهوف، والمواقع التاريخية، والأسواق، والموروثات الثقافية التي تجعل من ظفار مقصدا سياحيا متكاملا.
غير أن خريف ظفار ليس مجرد موسم للترفيه والاستجمام، ولا مجرد فرصة اقتصادية تنتعش خلالها الفنادق والمطاعم والمحال ووسائل النقل والمشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ بل هو أيضا اختبار حقيقي لثقافة المجتمع في المسؤولية المجتمعية، ومدى قدرته على حماية ما وهبه الله من جمال، وإكرام من جاء إليه زائرا، والمحافظة على المكان الذي يشاركه فيه الآخرون.
وحين تستقبل ظفار زوارها، فإنها لا تستقبل مجرد سائح يبحث عن الطبيعة وحدها؛ بل تستقبل إنسانا سيحمل معه بعد رحيله صورة محفورة في ذاكرته عن عُمان وأهلها وثقافتها، وذكريات راسخة في الوجدان لا تمحى، ومواقف خالدة لا ْتنسى. ومن هنا تصبح الابتسامة صدقة، وحسن التعامل خلقا، وإرشاد التائه إحسانا، ومساعدة الكبير مروءة، واحترام خصوصية الزائر أمانة، وتقديم الخدمة وفاء بالعهد؛
إن نجاح موسم خريف ظفار لا يمكن أن يكون مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، مهما بلغت جهودها في التخطيط والتنظيم وتطوير البنية الأساسية والخدمات. فالسياحة المستدامة تقوم على شراكة حقيقية بين الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص والزائر نفسه.
فالزائر مسؤول عن المكان الذي جاء ليستمتع بجماله؛ ومسؤوليته تبدأ من سلوك بسيط: ألا يترك مخلفاته وراءه، وألا يعبث بالأشجار والنباتات، وألا يقترب من المواقع الخطرة، وألا يضر بالحياة الفطرية والطبيعة، وأن يلتزم بالأنظمة والتعليمات، وأن يحترم خصوصية المجتمع وعاداته وتقاليده، ليكون شعاره الدائم "نترك المكان أفضل مما كان".
والمجتمع المحلي شريك أساسي في صناعة التجربة السياحية؛ فحسن الاستقبال، والكرم، والابتسامة، والتعريف بالموروث العُماني، وتشجيع المنتجات المحلية، ومساندة المبادرات التطوعية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن تعبيد الطرق، وإنشاء الفنادق، وإقامة المطاعم، والاهتمام بالمواقع السياحية.
أما القطاع الخاص، فمسؤوليته تتجاوز تحقيق الربح، وتعظيم الفائدة المادية، إلى تقديم خدمة راقية، ودعم المجتمع المحلي، وتشجيع المنتجات العُمانية، وتبنِّي ممارسات صديقة للبيئة، والمساهمة في الفعاليات والمبادرات التي تعزز الاستدامة.
والجهات الحكومية تضطلع بدور محوري في تنظيم الموسم، وتطوير البنية الأساسية، وتعزيز السلامة، وتنظيم الحركة السياحية، وحماية المواقع الطبيعية والتراثية، ورفع الوعي بالسلوك السياحي المسؤول.
ومع هذا التدفق السياحي الكبير، تظهر تحديات لا يمكن تجاهلها، في مقدمتها زيادة النفايات والمخلفات، والازدحام والتكدس، والضغط على المرافق، والتأثير المحتمل في الغطاء النباتي والموارد الطبيعية، فضلًا عن بعض السلوكيات الفردية التي قد تسيء إلى المكان أو تقلل من جودة تجربة الآخرين.
وهنا ينبغي أن يتحول الوعي من مجرد رسائل موسمية إلى ثقافة مجتمعية دائمة. فالمكان الجميل لا يحميه عامل النظافة منفردا، ولا البلدية وحدها، ولا الجهة الحكومية بذاتها؛ بل يحميه كل من تطأ قدماه أرضه.
إن نجاح خريف ظفار ليس مسؤولية أبناء ظفار وحدهم، كما أن احترام البيئة ليس واجب السائح وحده؛ إنها مسؤولية مشتركة، لأن الطبيعة ملك للأجيال، والوجه السياحي للوطن ملك لجميع أبنائه.
إن أجمل نجاح يمكن أن يحققه موسم خريف ظفار ليس أن تنتهي أيامه بأعداد كبيرة من الزوار فحسب، وإنما أن ينتهي وقد ترك أثرا طيبا في نفوسهم، وأن تبقى جباله خضراء، ومواقعه نظيفة، وشواطئه صافية، وتراثه محفوظا، واقتصاده المحلي أكثر قوة، ومجتمعه أكثر وعيا بمسؤوليته.
فالسائح الذي يعود إلى بلده وهو يقول: «ما أجمل ظفار!» يكون قد أخذ معه صورة عن الطبيعة؛ أما السائح الذي يقول: «ما أكرم أهل عُمان! وما أروع تعاملهم! وما أجمل حرصهم على وطنهم وبيئتهم!»، فقد أخذ معه صورة عن الإنسان العُماني.
وهنا تبلغ السياحة أسمى غاياتها: أن تكون جسرا للتعارف، ورافدا للاقتصاد، وحاضنة للثقافة، وميدانا للأخلاق، ومساحة لممارسة المسؤولية المجتمعية.
إن خريف ظفار ليس مجرد موسم سياحي؛ إنه مناسبة وطنية تتجدد كل عام لنثبت أن الجمال الذي وهبنا الله إياه أمانة، وأن الضيف الذي يحل بيننا فرصة لنُظهر له أجمل ما في مجتمعنا من كرم وأخلاق، ولنجعل من خريف ظفار تجربة تتجدد كل عام، وتبقى إرثا وطنيا جميلا للأجيال القادمة.
** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
