جان يعقوب جبور
في لبنان، لم تعد أزمة السياسة تُقاس فقط بما تقوله الطبقة السياسية أو بما تفعله في المؤسسات الدستورية؛ بل بما تعجز عن قوله وفعله حين تصبح المصلحة الوطنية في مواجهة الحسابات الخارجية.
هنا تظهر «السياسة الناقصة»؛ وهي ليست مجرد نقص في الرؤية أو ضعف في الأداء، بل حالة سياسية مكتملة العناصر، تقوم على غياب القرار المستقل، وقصور الحسابات الداخلية، وتحويل لبنان من دولة يفترض أن تبحث عن مصالحها إلى ساحة تُدار فيها مصالح الآخرين. السياسة الناقصة هي أن تمتلك الدولة كل مقومات القرار، ثم تتصرف وكأنَّ قرارها ليس ملكًا لها. وهي أن تتحدث القوى السياسية عن السيادة والاستقلال، ثم تعود عند كل استحقاق كبير إلى انتظار الإشارة من الخارج. وهي أن تصبح العواصم الإقليمية والدولية جزءًا من الحساب السياسي الداخلي، بحيث لا يعود السؤال: ماذا يريد لبنان؟ بل: ماذا يريد هذا الطرف الخارجي من لبنان، ومن يخدم هذه الإرادة في الداخل؟
المشكلة اللبنانية لم تعد في غياب السياسيين، بل في غياب السياسة؛ فالسياسي موجود، والبيانات موجودة، والخطابات موجودة، والاجتماعات لا تتوقف، لكن القدرة على إنتاج قرار وطني مستقل تبدو في كثير من الأحيان غائبة أو مكبّلة. وفي بلد صغير مثل لبنان، شديد الانكشاف على التحولات الإقليمية والدولية، تتحول هذه الثغرة إلى كارثة سياسية؛ لأن كل فراغ داخلي يصبح فرصة لقوة خارجية، وكل انقسام داخلي يتحول إلى ورقة تفاوض في الخارج. الوضع الحالي يوضح هذه المعضلة بصورة أكثر وضوحًا. لبنان يقف في منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا، من الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها الإقليمية، إلى المواجهات والتوترات المرتبطة بإيران وإسرائيل، مرورًا بالوضع السوري المتقلب، وصولًا إلى الضغوط الدولية المتزايدة على لبنان بشأن السلاح وإراحة الكيان الصهيوني، والحدود، والقرار الأمني، والإصلاحات الاقتصادية، ومستقبل الدولة، ومؤسساتها. وفي وسط هذا كله، يجد لبنان نفسه مضطرًا إلى التعامل مع ملفات أكبر من قدرته، بينما لا تزال القوى السياسية عاجزة عن بناء موقف وطني موحد تجاهها لإيصال من يستحق إلى مراكز القرار.
الأخطر أن بعض القوى والأحزاب اللبنانية الذين عاصروا الحرب الأهلية تتعامل مع الخارج باعتباره امتدادًا طبيعيًا للسياسة الداخلية وأخص بالذكر هنا الأحزاب اليمينية المتطرفة؛ فهناك من يراهن على واشنطن، وهناك من ينتظر الرياض، وهناك من يراقب طهران، وهناك من يقرأ باريس، وهناك من يحسب حساب دمشق، فيما يبقى الحساب اللبناني نفسه ناقصًا. وليس المقصود أن يعزل لبنان نفسه عن العالم؛ فهذا أمر مستحيل وغير مطلوب، بل إن الدولة الذكية هي التي تعرف كيف تبني علاقات متوازنة مع الجميع. لكن الفرق كبير بين الدبلوماسية التي تستخدم العلاقات الخارجية لخدمة المصلحة الوطنية، والسياسة التي تستخدم المصلحة الوطنية لخدمة علاقاتها الخارجية تنفيذًا لأجنداتها كما هو الحال الآن.
لبنان لا يستطيع أن يعيش بلا دعم عربي أو دولي، ولا يستطيع تجاهل التوازنات الإقليمية، لكنه يستطيع أن يرفض أن يتحول إلى صندوق بريد للآخرين وأن يُنفِّذ سياسات الخارج على حساب مكونات شعبه. يستطيع أن يقول إنَّ علاقاته الخارجية يجب أن تمُر عبر الدولة، وإن أي تفاهم أو ضغط أو ضمانة خارجية لا يمكن أن تكون بديلًا عن المؤسسات الدستورية. أما عندما تصبح كل طائفة أو زعامة أو حزب قادرًا على فتح قناة مستقلة مع الخارج، فإن الدولة تتحول تدريجيًا إلى مجرد مساحة جغرافية تتنافس فوقها مراكز النفوذ وخاصة أولئك المتعاطفين مع العدو الصهيوني. وهنا تحديدًا تكمن خطورة «السياسة الناقصة»؛ فهي لا تنتج قرارًا خاطئًا فحسب، بل تنتج دولة عاجزة عن اتخاذ القرار. والفرق بين الاثنين كبير.
القرار الخاطئ يمكن مراجعته وتصحيحه، أما فقدان القدرة على اتخاذ القرار فيحوّل البلد إلى تابع لموازين القوى. وعندما تصبح السياسة مجرد رد فعل على ما يجري في المنطقة، لا يعود لبنان لاعبًا حتى في أزماته الداخلية، بل يصبح موضوعًا للتفاوض بين الآخرين. لقد كشفت السنوات الأخيرة أن لبنان يدفع ثمنًا باهظًا للانقسام السياسي. الانهيار الاقتصادي، والفراغات الدستورية المتكررة، وضعف المؤسسات، وأزمة الكهرباء، وتراجع الخدمات العامة، والهجرة، وانهيار القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالدولة، والأحزاب الموالية للخارج والمتعاطفة مع الكيان الصهيوني، كلها ليست ملفات منفصلة. إنها نتيجة تراكم طويل لسياسة قامت على تأجيل القرارات الصعبة، وإدارة الأزمات بدلًا من حلها، وتوزيع المسؤوليات بدلًا من تحملها.
والأكثر خطورة أن بعض القوى السياسية ما زالت تتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية، لا باعتبارها المؤسسة التي تحمي الجميع. كل طرف يريد دولة قوية عندما تكون الدولة في خدمته، ويشكك بها عندما تتعارض قراراتها مع حساباته. وهكذا تصبح السيادة شعارًا انتقائيًا (أحزاب السيادة المبطنة في لبنان)، والدستور أداة ظرفية، والقانون قابلًا للتفسير بحسب مصلحة اللحظة.
في الملف الأمني والعسكري تحديدًا، تبدو المعضلة أكثر تعقيدًا.
لبنان يحتاج إلى دولة قادرة على حماية أراضيه، وجيش قادر على القيام بمهامه، ومؤسسات أمنية تحظى بثقة اللبنانيين. وفي الوقت نفسه، فإن أي معالجة لمسألة السلاح أو القرار العسكري لا يمكن أن تتم بمنطق الإملاء الخارجي (أو المفاوضات المشروطة والمفروضة علينا) أو بمنطق فرض الأمر الواقع الداخلي.
المطلوب هو مسار لبناني سياسي ودستوري واضح، لأن تحويل هذا الملف إلى مواجهة بين الخارج والداخل لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن المجتمع الدولي ينظر إلى لبنان اليوم من زاوية مختلفة. فالدول المانحة تريد إصلاحات، والمؤسسات المالية الدولية تريد تغييرًا في بنية الاقتصاد والإدارة، والدول الغربية تريد معالجة ملفات أمنية وسيادية، والدول العربية تريد لبنان مستقرًا وقادرًا على استعادة دوره، فيما القوى الإقليمية تنظر إلى لبنان ضمن صراعاتها الأوسع بما فيها العدو الصهيوني الذي ينظر إلى لبنان كفريسة سهلة.
وبين هذه الحسابات المتقاطعة، يحتاج لبنان إلى شيء واحد قبل كل شيء: أن يعرف ماذا يريد هو. هذه هي النقطة التي تغيب في كثير من الأحيان عن الخطاب السياسي اللبناني. فليس المطلوب من لبنان أن ينتصر على الولايات المتحدة، ولا أن يتحدى إيران، ولا أن يقطع علاقاته مع العرب، ولا أن يدخل في صدام مع أوروبا. المطلوب أن يتوقف عن التعامل مع نفسه باعتباره ساحة لهذه الصراعات. الدولة لا تُقاس بعدد أعدائها أو حلفائها، بل بقدرتها على حماية مصالحها وسط تعقيدات العلاقات الدولية وبقيادة ذكية تحقق هذه الحماية.
ولعل أكثر ما يثير القلق اليوم هو أن جزءًا من الطبقة السياسية لا يزال يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. والحقيقة أن الوقت يعمل ضد لبنان. كل تأخير في الإصلاح يزيد كلفة الإنقاذ، وكل فراغ سياسي يضعف المؤسسات، وكل انقسام حول السيادة يفتح الباب أمام مزيد من التدخل، وكل خطاب تحريضي يوسع الشرخ الداخلي، وكل رهان على الخارج يؤجل ولادة القرار الوطني. فالسلطة المرتهنة لا تستطيع أن تجمع لا بالقرار ولا بالشعب وبالتالي تنجرف إلى مفاوضات تخدم العدو الصهيوني بدلًا من لبنان.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من السياسيين الذين يجيدون قراءة موازين القوى الخارجية، بل إلى سياسيين يجيدون صناعة المصلحة اللبنانية وهنا أؤكد أن لبنان يحتاج إلى سياسيين ذوي استراتيجية وطنية ذكية تُعطيهم الحنكة الكافية للتصرف وسط هذه الظروف الإقليمية والدولية الصعبة. فلبنان لا يحتاج (كما هو الوضع الحالي) إلى من يسأل: ماذا تريد واشنطن؟ أو ماذا تريد طهران؟ أو ماذا تريد الرياض؟ بقدر ما يحتاج إلى من يسأل أولًا: ماذا يحتاج لبنان؟ فعندما تتعدد البوصلات الخارجية، يصبح الانقسام الداخلي حتميًا، وتصبح السياسة سلسلة من الحسابات الناقصة التي لا تصل إلى نتيجة.
إنَّ لبنان اليوم أمام لحظة سياسية لا تسمح بالمزيد من المناورات. المنطقة تتغير بسرعة، وموازين القوى تتبدل، والتحالفات تتشكل وتتفكك، والولايات المتحدة تُعيد ترتيب أولوياتها في المنطقة، وإسرائيل تواصل فرض وقائع أمنية وعسكرية جديدة، وإيران تواجه ضغوطًا وصراعًا إقليميًا واسعًا، وسوريا تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب علاقاتها وموقعها، فيما يحاول العرب والدول الأوروبية منع لبنان من الانهيار الكامل.
وفي هذه البيئة، لا يمكن للبنان أن يبقى بلا استراتيجية تؤدي إلى حماية السيادة، الحفاظ على وحدة الدولة، دعم الجيش والمؤسسات، حماية الاقتصاد، تحصين الحدود، رفض تحويل لبنان إلى منصة للحرب، معرفة الصديق من العدو، وعدم السماح في الوقت نفسه بتحويله إلى ساحة للإملاءات الخارجية. أما الاستمرار في السياسة القائمة على «نصف موقف» و«نصف قرار» و«نصف دولة»، فلن يؤدي إلّا إلى نصف سيادة ونصف استقرار ونصف اقتصاد ونصف مستقبل. الدولة لا تُبنى بأنصاف الحلول عندما تكون الأزمة كاملة. والحقيقة الآن أن الخارج يغذي الانقسام، والانقسام يستدعي الخارج، والخارج يستخدم الانقسام لتثبيت نفوذه.
إنَّ كسر هذه الدائرة يحتاج إلى شجاعة سياسية لا إلى مزيد من الذكاء التكتيكي. فالتكتيك قد يسمح لزعيم بالبقاء، أو لحزب بتثبيت موقعه، أو لتحالف بتجاوز أزمة، لكنه لا يبني دولة. الدولة تحتاج إلى رؤية طويلة المدى، ومؤسسات، وقانون، وقرار مستقل، وعلاقات متوازنة، وقبل ذلك كله إلى طبقة سياسية تؤمن بأن لبنان ليس ورقة تفاوض في يد أحد. وهذا ما يفتقره لبنان بسلطته وأحزابه الحاكمة حتى لحظتنا هذه.
هل آن الأوان للخروج من «السياسة الناقصة»؛ سياسة نصف السيادة، ونصف المسؤولية، ونصف القرار؟ فالمأساة اللبنانية الحالية في أوضح صورها: بلد يمتلك من التاريخ والجغرافيا والكفاءات والقدرات ما يكفي ليكون دولة مؤثرة، لكنه يُدار أحيانًا بعقلية الساحة والأحزاب التابعة والارتهان الكامل للخارج لا بعقلية الدولة. وبين من يحسب حساب الخارج ومن يخشى الخارج ومن يستقوي بالخارج، تضيع المصلحة اللبنانية في المنتصف.
لبنان لا يحتاج إلى أن يكون ضد أحد كي يكون مع نفسه. يحتاج فقط إلى أن يكون مع لبنان أولًا.
