من سفن تشنغ خه إلى أجنحة الطائرة

 

 

 

الطليعة الشحرية

حين بدأتُ رحلتي إلى الصين قبل أن أغادر عُمان، بعض الرحلات تبدأ عند بوابة المغادرة، وبعضها يبدأ قبل ذلك بسنوات، قبل أن أحجز مقعدًا على الطائرة، وقبل أن أفكر في الحقيبة وما يلزم لأشهر سأقضيها بعيدًا عن عُمان، أدركتُ أن رحلتي إلى الصين لم تبدأ الآن. كان لها طريق أقدم، تشكّل على مهل من سؤال، ثم من حكاية تاريخية، ثم من تجربة شخصية بقيت في الذاكرة حتى جاء الوقت الذي استدعاها من جديد.

كان السؤال، في ظاهره، بسيطًا لماذا الصين؟ لماذا حضرت الصين في المخيال العربي القديم بوصفها مكانًا بعيدًا يستحق أن تُقطع إليه المسافات طلبًا للمعرفة؟ ولماذا بقيت العبارة المتداولة "اطلبوا العلم ولو في الصين" حاضرة في الذاكرة الثقافية العربية إلى اليوم؟

والعبارة، من باب الدقة، ليست حديثًا نبويًا ثابتًا؛ فقد حكم المُحدِّثون بضعف طرقها. لكنَّ بقاءها كل هذه القرون يحمل دلالة ثقافية ربما لا تقل إثارة عن سندها نفسه: لماذا اختار المخيال العربي الصين تحديدًا ليجعلها أقصى استعارة للسفر في طلب المعرفة؟ هل كانت الصين مجرد اسم يرمز إلى البعد؟ أم أن وراء الاسم معرفة قديمة بحضارة كبيرة تقع في الطرف الآخر من العالم المعروف آنذاك؛ حضارة تستحق أن يسافر الإنسان إليها، وأن يتجاوز في سبيلها الجغرافيا والمألوف؟ من هنا، ربما، بدأت الصين بالنسبة إليّ. لم تبدأ كوجهة سفر، بل كسؤال.

حين لم تكن البحار تفصل بين العالم نحن أبناء عصر اختصر المسافة إلى ساعات. نصعد إلى الطائرة في بلد، ونفتح أعيننا بعد ساعات في بلد آخر. ولذلك يصعب أحيانًا أن نتخيل ما كانت تعنيه المسافة قبل قرون، حين كان السفر قرارًا وجوديًا تقريبًا، وكانت الرحلة البحرية قد تمتد شهورًا، وكان المجهول جزءًا أصيلًا من الطريق ومع ذلك، تحرك الإنسان.. أبحرَ، وتاجرَ، واكتشفَ، وتعلَّم، وحمل معه أكثر بكثير مما وضعه في مخازن السفن؛ فالبحار لم تكن طرقًا لنقل البضائع وحدها. كانت واحدة من أقدم وسائل الحوار بين الحضارات. على تلك الطرق انتقلت السلع، لكن انتقلت معها أيضًا الكلمات والأفكار والمعتقدات، والعادات، والخبرات، والمعارف. وحين ننظر إلى المحيط الهندي بهذه الصورة، لا يعود مجرد مساحة مائية تفصل القارات، بل يبدو كأنه واحد من أقدم فضاءات العولمة في التاريخ.

وكان لعُمان موقعها في هذه الشبكة فموقعها البحري جعل موانئها جزءًا من طرق التجارة التي ربطت الصين والهند والشرق الأوسط عبر قرون طويلة؛ بل تصف دراسة منشورة ضمن مكتبة "اليونسكو- عُمان" بأنها كانت نقطة محورية في شبكات التجارة العابرة للأقاليم التي ربطت الصين والهند والشرق الأوسط خلال ما يقارب ألفي عام. ومن هنا تبدو الأشياء التي نجدها اليوم في المتاحف أقل صمتًا مما نظن. قطعة خزف صيني وصلت إلى ميناء عُماني ليست مجرد آنية قديمة. واللبان الذي عبر البحار ليس مجرد سلعة عطرية. كلاهما أثر لرحلة إنسانية كاملة؛ موانئ، وبحارة، وأسواق، ومفاوضات، ولغات مختلفة، وأناس رأوا بعضهم بعضًا قبل قرون طويلة من ظهور الطائرة والإنترنت والهاتف المحمول، وفي قلب تلك الذاكرة البحرية يبرز اسم البحار الصيني الشهير تشنغ خه.

في مطلع القرن الخامس عشر، قاد تشنغ خه سلسلة من الرحلات البحرية الكبرى في عهد أسرة مينغ، واتسعت حركة أساطيله عبر جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي وصولًا إلى الخليج والجزيرة العربية وشرق أفريقيا. وتوثق دراسات تاريخية وصول بعثات مرتبطة بتلك الرحلات إلى السواحل العُمانية، كما تظهر ظفار ضمن المسارات التي بلغتها أجزاء من الأسطول الصيني في تلك المرحلة.

لكن ما يعنيني اليوم في قصة تشنغ خه ليس حجم السفن ولا عدد البحارة بقدر ما يعنيني فعل العبور نفسه. أن يغادر الإنسان عالمه المألوف ليرى عالمًا آخر أن يكتشف أن الجغرافيا لا تعني بالضرورة الانفصال. وأن البحر الذي يبدو على الخريطة فاصلًا بين حضارتين يمكن أن يتحول، حين يتحرك الإنسان فوقه، إلى جسر بينهما.

حين خرج التاريخ من الكتب بالنسبة إليّ، لم تبقِ هذه العلاقة العُمانية الصينية طويلًا في إطار القراءة في عام 2010، جاءت تجربة أعادت تقديم الصين لي بصورة مختلفة. عملت مرشدة في معرض "جوهرة مسقط" المتنقل، بعقد مع وزارة الخارجية العُمانية، في تجربة أُقيمت بالتعاون مع الجانب الصيني، وكان جزء من مادتها يستعيد تاريخ العلاقة بين عُمان والصين ويقدم للزائرين جوانب من ذلك الإرث، ومن بينها رحلة تشنغ خه.

هناك حدث شيء يصعب أحيانًا أن تفعله الكتب وحدها تحول التاريخ من معلومة إلى مشهد. لم تعد الصين اسمًا بعيدًا على خريطة، ولم تعد علاقات عُمان البحرية فصلًا قديمًا في كتاب. أصبحت أمامي مقتنيات وصور وحكايات ومسارات لأناس عبروا البحر قبل قرون.

وربما لم أكن أعرف وقتها أنني، بعد سنوات، سأجد نفسي أستعيد تلك الحكاية من الطرف الآخر. في ذلك المعرض كنت أشرح للزوار قصة طريق وصل الصين بعُمان واليوم أتهيأ لعبور الطريق نفسه، لكن باتجاه الصين كانوا يعبرونه بالسفن وسأعبره بالطائرة. كان بعضهم يحمل البضائع ورسائل الحكام وأخبار البلدان وأحمل أنا قلمًا وكاميرا وأسئلة.

وهنا تحديدًا تغير معنى الرحلة بالنسبة إليّ لم تعد مجرد فرصة للسفر إلى دولة لم أزرها من قبل، بل أصبحت بطريقة ما عودة إلى حكاية قديمة كنت قد وقفت عند أحد أطرافها قبل سنوات، من دون أن أعرف أنني سأصبح يومًا جزءًا صغيرًا من امتدادها.

من السهل أن نسافر اليوم إلى أي مكان ونعود بآلاف الصور لكن الصورة قد تخبرنا كيف يبدو المكان، ولا تخبرنا بالضرورة كيف يفكر. ولهذا لا أريد أن تكون رحلتي إلى الصين مجرد سجل للأماكن التي زرتها، ولا سلسلة من الصور أمام معالم مشهورة، ولا انبهارًا سهلًا بمدينة كبيرة أو قطار سريع أو ناطحة سحاب. فكل دولة تستطيع أن تقدم للزائر واجهتها. لكن مهمة الإعلامي والكاتب تبدأ، في رأيي، بعد الواجهة. أريد أن أبحث عن الإنسان خلف الإنجاز عن الحياة اليومية خلف الأرقام. عن المجتمع الذي يقف خلف صورة "الصين" الكبيرة التي نراها من الخارج.

كيف يفكر الصيني العادي؟ كيف يرى بلاده والعالم؟ ماذا تعني الحداثة بالنسبة إلى مجتمع يحمل إرثًا حضاريًا يمتد آلاف السنين؟ كيف تتغير المدن من دون أن تفقد ذاكرتها؟ كيف تتعامل الأجيال الجديدة مع الثقافة التقليدية؟ وكيف يبدو الانتقال الهائل الذي تشهده الدولة حين ننظر إليه من مستوى الإنسان، لا من مستوى التقارير والمؤشرات فقط؟

لا أذهب إلى الصين وفي ذهني إجابة جاهزة أريد إثباتها ولا أريد أن أستبدل صورة نمطية غربية بصورة نمطية مضادة؛ فالكتابة الجيدة لا تبدأ بالإجابة، بل بالسؤال. والصحافة الحقيقية، في أفضل حالاتها، ليست أن تسافر لتجد ما كنت تتوقع أن تجده، وإنما أن تسمح لما تراه بأن يغيّر ما كنت تعتقد أنك تعرفه ولهذا سأذهب بأسئلة أكثر من الإجابات.

ربما يكون أحد أكثر الأسئلة التي تشغلني قبل الرحلة هو هذا التوتر المثير بين القديم والجديد. حين نفكر في الصين نستدعي في لحظة واحدة عالمين مختلفين: حضارة ضاربة في القدم، وخطًا وفلسفة وفنونًا ومدنًا وأساطير وذاكرة إمبراطورية طويلة؛ وفي اللحظة نفسها نستدعي المصانع والمدن الحديثة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والقطارات وشبكات البنية الأساسية والتحولات الاقتصادية الهائلة.

وهنا لا يعود السؤال بالنسبة إليّ؛ كيف وصلت الصين إلى المستقبل؟ السؤال الأكثر إثارة هو؛ كيف حملت ماضيها معها وهي تتجه إليه؟ كيف تستطيع دولة بهذا الحجم والتعقيد أن تدخل الحداثة من دون أن تمحو ذاكرتها؟ وأين تنتهي الاستمرارية وتبدأ القطيعة؟ ما الذي يبقى من التقاليد حين تدخل المجتمعات عصر الخوارزميات؟ وهل تستطيع الحضارات القديمة أن تجعل من ماضيها قوة للمستقبل بدل أن تحوله إلى متحف كبير؟ هذه أسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الأبراج ولا الإحصاءات وحدها.

الإجابة توجد ربما في فصل دراسي، وفي محطة قطار، وفي حي قديم، وفي سوق، وفي جامعة، وفي غرفة أخبار، وفي مقهى، وفي حديث عابر مع شاب صيني لا يعرف أن سؤالًا بسيطًا منه قد يكون أكثر قيمة من عشرات الصفحات في تقرير رسمي. ولهذا أريد أن أتعرف إلى الصين من مستوى التفاصيل. فالحضارات الكبيرة كثيرًا ما تختبئ في الأشياء الصغيرة.

بين رحلة تشنغ خه ورحلتي، من الخطأ بالطبع أن نقارن رحلة جوية حديثة برحلات بحرية كانت تتم قبل ستة قرون. لكن التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها؛ إنه أحيانًا يعيد المعنى بوسائل جديدة. تغيرت السفينة إلى طائرة. وتغيرت الخرائط الورقية إلى شاشة صغيرة في الهاتف. وتغيرت الرسائل التي تستغرق شهورًا إلى اتصال يعبر القارات في ثانية، لكن بقي شيء لا تستطيع التكنولوجيا اختصاره أن تفهم الآخر.

يمكننا اليوم أن نعرف في دقائق عدد سكان أي مدينة ومساحتها ودخلها ومناخها، وأن نشاهد شوارعها عبر شاشة الهاتف قبل أن نصل إليها لكن المعرفة ليست دائمًا فهمًا ولهذا ربما تصبح الرحلة أكثر ضرورة، لا أقل. أن تقف في المكان أن تستمع أن ترى التناقضات أن تكتشف الفارق بين ما تقوله الأرقام وما تقوله الحياة وأن تمنح البشر فرصة أن يرووا أنفسهم بأنفسهم بدل أن تكتفي بما قيل عنهم

من اللبان والحرير إلى البيانات كان التبادل القديم بين عُمان والصين يقوم على عالم مادي واضح سفن، وموانئ، وأسواق، وسلع تعبر المحيط واليوم تغيرت طبيعة الأشياء التي تعبر بين الأمم. أصبحت المعرفة نفسها سلعة وقوة تعبر التكنولوجيا، والاستثمارات، والصور، والأخبار، والخوارزميات، والثقافة الشعبية، والجامعات، والأفكار. ولذلك فإن طريق الحرير في القرن الحادي والعشرين لا يمكن فهمه بالطريقة نفسها التي نفهم بها طريق الحرير القديم.

نحن أمام عالم لا تتنافس فيه الدول على الموانئ والأسواق فقط، بل على الرواية أيضًا من يروي قصته للعالم؟ ومن يحدد صورته؟ ومن يصنع اللغة التي يفهم الآخرون من خلالها تجربته؟ وهنا يتقاطع التاريخ مع الإعلام.

فإذا كانت السفن القديمة قد حملت البضائع بين عُمان والصين، فإن الإعلام اليوم يحمل الصور والأفكار والتصورات المتبادلة بين الشعوب ولهذا تصبح رحلتي إعلامية بقدر ما هي ثقافية أريد أن أفهم كيف ترى الصين نفسها قبل أن أسأل كيف يراها العالم وكيف تبني خطابها الإعلامي. وكيف تقدم تاريخها وكيف يتعايش الإعلام التقليدي مع عالم المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وأين يقف الإنسان داخل كل هذا التحول.

بعد أيام، حين تُقلِع الطائرة من عُمان باتجاه الصين، قد يبدو الأمر على شاشة المطار مجرد خط جوي يصل بين نقطتين لكنني سأراه بطريقة مختلفة، سأفكر في البحر الذي كان بينهما وفي السفن التي عبرته وفي البحارة الذين لم تكن لديهم خرائط الأقمار الاصطناعية ولا توقعات الطقس على هواتفهم، ومع ذلك غادروا موانئهم نحو المجهول.

سأتذكر معرض "جوهرة مسقط"، وتلك اللحظة القديمة التي وقفت فيها أروي للآخرين جزءًا من تاريخ العلاقة بين حضارتين، من دون أن أعرف أنني سأعبر يومًا الطريق ذاته.

وسأُفكِّر في السؤال الأول، لماذا الصين؟ وربما لن أبحث هذه المرة عن إجابة واحدة فالدول الكبرى، مثل الحضارات الكبرى، لا تختصرها إجابات مختصرة. سأبحث عن إجابات كثيرة، وربما أعود بأسئلة أكثر وهذه، في النهاية، ليست خاتمة مقال بقدر ما هي بداية سلسلة. سلسلة أحاول فيها أن أكتب عن الصين كما سأراها، لا كما يفترض أن أراها؛ عن الصين التي تظهر في الأخبار، وتلك التي لا تظهر فيها؛ عن الإنسان والمدينة والثقافة والإعلام والتكنولوجيا والذاكرة، وعن بلد يحاول أن يجد موقعه في المستقبل من دون أن يقطع الطريق كله مع ماضيه.

قبل ستة قرون، عبرت سفن من الصين إلى هذه السواحل واليوم أعبر في الاتجاه الآخر تغيرت وسيلة السفر، لكن بقي السؤال الإنساني القديم نفسه ماذا يحدث لنا حين نعبر المسافة بين عالمنا وعالم الآخر؟ ربما لهذا لا تبدأ أعظم الرحلات عندما تتحرك الطائرة؛ بل عندما يبدأ شيء ما في داخلنا بالنظر إلى العالم بطريقة مختلفة.

الأكثر قراءة

z