عائض الأحمد
نختلف ثم نختلف، وقد لا نجد ما نتفق عليه، لكنه الرجل الوحيد الذي تسمعه، وعليك أن تصدّقه حين يقول: «أتمنى وأدعو الله أن تكون أفضل مني».
هنا تسقط كل لحظات الأنا، لتصبح أنت المعنى كله. وإن لم تعِ ذلك مبكرًا، فأنت تجني الحسرة والندم، ولن تسمعها بعد ذلك أبدًا، وحتى إن قيلت من سواه فلن تُصدَّق.
ندمٌ وألم، قل ما شئت، فلن تُغفر، ولن تتجاوز ما كنت تظنه عقبة، حتى يأتيك المنبّه بعد فوات أوانه، في لحظات صَحوٍ أفقدتك المعنى، فتسأل: أين أنت يا أبي؟
حينها تدرك أن الغياب لا يطرق الباب، بل يدخل صامتًا، ويتركك وحيدًا مع أسئلة لم تجرؤ يومًا على طرحها، ومع مواقف حسبتها عابرة، فإذا بها العمر كلّه.
تفهم متأخرًا أن الصرامة كانت خوفًا عليك، وأن الصمت كان صلاةً لا تُسمَع، وأن اليد التي لم تُمسكها طويلًا كانت تمسكك من السقوط دون أن تشعر.
يمضي، ويبقى صوته داخلك؛ نصيحة لا تشيخ، ودعاء يتقدّمك كلما تعثّرت.
هو الرجل الوحيد الذي لم يكن يريد أن تنتصر عليه، بل أن تنتصر به. يزورك دون أن يقول لك أيّ طريقٍ أنهكه، ويمدّ يديه دون أن تطلبه، ويمسح أثر عثرتك قبل أن تراها. حينما تستنهضه، يُلقي بكل همومه جانبًا، وحين تبتسم يتوارى تعبه، وتعلوه العزّة والفخر حينما تصل.
يصمت عن وجعه كي لا يثقلك، ويبتلع تعبه ليمنحك قوة لا تعرف مصدرها، كأن الحياة كانت تمرّ به أولًا ليصفّيها لك قبل أن تصلك.
يعرف ملامحك قبل أن تعرفها، ويقرأ خوفك في نبرة صوتك، فيتقدّم خطوة عنك؛ لا ليقودك، بل ليكون الساتر إن سقطت.
لا يسأل: هل أنا حاضر؟ لأنه كان هناك دائمًا؛ في الخلف، في الظل، حيث لا تُلتقط الصور ولا تُقال الخطب.
وحين تكبر، وتظن أنك لم تعد تحتاجه، يبتسم فقط، كمن سلّم الأمانة ووثق بالله. هو الرجل الوحيد الذي أحبك بلا شروط، وخاف عليك بلا ضجيج، ورحل… ليبقى.
لها: بعض الغياب لا يُؤلم لأنه انتهى، بل لأنه علّمك متأخرًا كيف كان يحميك في غفلتك.
شيء من ذاته: لم يطلب يومًا أن تُنقذه؛ بل أن تنجو.
نقد: نحسب القوة استقلالًا، ثم نكتشف بعد الفقد أنها كانت سندًا لا نراه.
