الخال الوالد..(قليلٌ من سيرةٍ لا يحيط بها مقال)

 

د.عبدالعزيز الغريبي

في السبت الماضي الموافق ٢٢ من اغسطس ٢٠٢٦، رحل خالي العزيز محمد بن عبدالمحسن بن سالم السيل  الغساني "أبو حمزة" عن عمر يناهز الثمانين؛ فشعرت أنني لا أودّع خالًا فحسب، بل أودّع أبًا. كان خالي محمد أبًا في عطفه وحكمته وقربه، وفي ذلك الظلّ الواسع الذي احتمينا به طويلًا. ومنذ رحيله، أخذت عبارة «الخال والد» معنىً أبلغ في نفسي؛ وحين غاب، شعرت أن أبي قد مات في داخلي مرة أخرى.

أما أمي "صبرها الله وأطال في عمرها" فقد كان لها ـ كما قالت في فاجعتها ـ «عمودها الفقري». ظل حاضرًا لها ولنا في كل الظروف والمناسبات. وكانت صلته بأرحامه صلة حياة كاملة؛ يسأل، ويزور، ويجمع، ويصل ما تباعد، ويسعى في إصلاح ذات البين. لذلك لم يكن رحيله فقدًا خاصًا بمحيطه وحده، بل غياب رجل ترك أثرًا واسعًا في مجتمعه ووطنه.

وإن كانت شهادتي فحسب، فهي مجروحة، فهو شقيق أمي الوحيد، لكن ما أقوله لا تصنعه القرابة وحدها؛ فقد عرفه الناس في محافظة ظفار و سائر عمان وخارجها رجلًا طيب السيرة، حسن المعشر، واسع الصدر والبصيرة، قريبًا من مختلف أطياف المجتمع. كان من أولئك الرجال الذين تصنع أخلاقهم مقامهم بين الناس، وتمنحهم سيرتهم مكانة لا تحتاج إلى منصب أو تعريف.

جمع خالي محمد بين الورع واليسر، وبين الوقار والروح المرحة. فقد بان ذلك في أخلاقه ورحمته بالناس، وكانت نصيحته رفيقة وعبارته هادئة. وحتى فكاهته ومقالبه كانت تحمل شيئًا من طريقته في التربية؛ يضحكك، ثم يترك في ختام الموقف عبرة تستقر فيك من حيث لا تشعر. كان يعرف كيف يقرّب المعنى إلى القلب من غير قسوة، وكيف يجعل النصيحة امتدادًا للمودة لا سببًا للنفور.

ومن أجمل ما منحني إياه خالي في صغري أنه عاملني بثقةٍ تسبق سني. حفّزني على قراءة القرآن وتجويده، فكنت أقرأه في الإذاعة المدرسية بشكل مستمر طوال سنوات دراستي، من الابتدائية حتى الثانوية، وكنت، إلى جانب تفوقي الدراسي، توجت ببعض جوائز التجويد، وكنت أتوق في كل إنجاز صغير إلى أن يبلغه خبره، منتظرًا كلماته التي كانت تمنحني من الثقة أكثر مما تمنحني الجائزة نفسها. وحين بنى مسجده على نفقته الخاصة بعد انتقاله إلى عوقد الشمالية، كان يقدّمني، ولسنوات، لأؤمّه وأبناءه وبعض أرحامنا في الصلاة. كنت صغير السن، لكنه كان يمنحني من ثقته ما يجعلني أكبر في عيني نفسي، ويربيني، كما ربّى أبناءه الكرام، بالثقة قبل كثرة الكلام، وبأن يضعني في موضعٍ أتعلم منه معنى الالتزام والاعتماد على النفس؛ حتى أشعرني منذ وقت مبكر أن الإنسان يكبر بما يُؤتمن عليه، وأنني قادر على الوقوف في موضع يليق بي.

وكان خالي من أوائل من تنبّهوا إلى ما فيّ من موهبة في الرسم والابتكار والإنشاد والتقليد والتمثيل، فحفّزها وفتح لها باب الظهور. ففي عام 1997 أوصلني بالأخ زكريا بن سعيد الغساني، الذي كان متعهّدًا لفعاليات بلدية ظفار آنذاك، وأوصاه بي؛ فكان سببًا في ظهوري مع الفنان الكوميدي داوود حسين وتقديم بعض فقرات التقليد على مسرح مركز البلدية الترفيهي، وتبعها مسيرة مسرحية طويلة. ولم يكن الأثر في مجرد الوقوف على المسرح، بل في أن خالي كان أول من رأى موهبتي وآمن بها قبل أن يراها الآخرون، ومنحني الثقة قبل أن أملك الدليل عليها؛ فالإنسان قد ينسى كلمات الإعجاب التي تأتيه بعد أي نجاح، لكنه لا ينسى من صدّقه في البدايات. ولعل ما زاد ذلك الموقف قيمةً أنه كان معروفًا بتديّنه واستقامته، وربما بدت بعض هذه المواهب بعيدةً عما يُظن أنه يميل إليه، لكنه لم ينظر إليها بعين ضيقة، بل رأى فيها نعمةً واستعدادًا يستحقان الرعاية. وأنا أؤمن أن ما فيّ من مواهب ليس غريبًا عنه، بل هو امتدادٌ لما كان فيه وفي أمي؛ وكأنه حين آمن بي لم يكن يكتشف شيئًا جديدًا، بقدر ما كان يتعرّف فيّ إلى شيءٍ منهما.

ومن أعمق ذكرياتي معه تلك الرحلات التي كنت أصحبه فيها مع جدي عبدالمحسن ـ رحمه الله ـ، وعدد من رفاقهم في رحلات الصيد والبحر. كنت صغيرًا بين رجال سبقوني عمرًا وتجربة، غير أن خالي لم يجعلني أشعر أنني مجرد طفلٍ يتبعهم، بل كان يمنحني مكانًا بينهم؛ أستمع إلى أحاديثهم، وأرقب تصرفاتهم، وأتعلّم من صحبتهم ما لا يُقال ولا يُدرَّس. وكان للمرح نصيبٌ من تلك الرحلات؛ إذ كان هو وجدي يدبّران أحيانًا مقالب لطيفة لبعض رفاقهما، ويوكلان إليّ أداء الدور بما كنت أملكه من قدرة على التقليد والتمثيل، فأمضي في المشهد بجدية حتى تنكشف الحيلة وتتعالى الضحكات. وهكذا ارتبطت في ذاكرتي هيبة أولئك الرجال بخفة أرواحهم، وتعلّمت بينهم أن القرب الحقيقي لا تصنعه الأعمار المتقاربة، بل المكان الذي يمنحه الكبار للصغار في مجالسهم وقلوبهم.
وفي إحدى تلك الرحلات، كنت أبادر إلى خدمة جدي عبدالمحسن، وكان خالي محمد ـ وقد بلغ فوق الستين ـ يسابقني إلى خدمته. وكلما حاولت أن أقوم عنه بأمر، أوقفني بلطف وقال: «باتحرمني من الأجر؟! هذا والدي! وأريد أبر به؛ فلا تحرمني من أجر البر بالوالدين».
كانت العبارة درسًا حيًا في البر؛ فقد رأيته يتمسك بخدمة أبيه بوصفها شرفًا وأجرًا عظيماً، لا عبئًا. وظلت تلك الصورة تؤثر في علاقتي بوالدي في سنواته الأخيرة ـ رحمه الله ـ، وتعلمني أن الأب يظل عظيم الحق ولو كبر أبناؤه وامتدت بهم الأعمار. لقد فهمت من خالي أن البر ليس واجبًا يؤديه الإنسان مضطرًا، بل نعمة يخشى أن تفوته، وفرصة يطلب بها رضا الله.

ومن الذكريات التي عادت إليّ بعد رحيله رسالة بعثتها إليه عام 1995، حين كان غائبًا عنا، وكان يحفّز أبناءه وإيانا على مراسلته. كنت في الثالثة عشرة، وقد أخبرني قبل أعوام أنني كتبت له فيها شيئًا من الشعر. استوقفتني عبارته؛ فأنا لست شاعرًا، ولا أستطيع كتابة الشعر اليوم، ولعل ما كتبته لم يكن شعرًا بالمعنى الحقيقي، بل كلام طفلٍ أخرجه الشوق على هيئة أبيات. ولا أعلم أين انتهت تلك الرسالة، لكنني أتوق إلى العثور عليها؛ ليس لأتأكد مما إذا كنت قد كتبت شعرًا، بل لأرى كيف استطاع حضوره، حتى في غيابه، أن يستخرج مني لغةً لم أعد أملكها. وربما كان بعض الناس يوقظون فينا أشياء لا نعرف أنها فينا، ثم يأخذون سرّها معهم حين يرحلون؛ فلا تبقى لنا إلا ورقة ضائعة، نبحث فيها عن شيءٍ قديم من أنفسنا. 
أما عطاؤه، فما شهدناه منه كثير، وما خفي كان أكثر وأكبر. ولعل أيام العزاء الماضية وتوافد الكثيرين ممن كان له فضلٌ عليهم، وذكرهم لمواقفه النبيلة معهم خير شهادة. إلا أنه كان يؤمن بأن للخير حرمة يحفظها الستر، وأن العطاء يزداد نقاء حين يبقى بين صاحبه وربه. ولهذا يصعب أن نعرف حجم ما قدمه، لأن جزءًا أصيلًا من عطائه بُني على ألا يعرفه أحد. كان يفعل الخير بهدوء، ويترك أثره يتحدث عنه من غير أن يطلب لنفسه ذكرًا أو ثناء.

ولعل متحف ظفار الخاص، الذي افتتح العام الماضي، أبرز ما يعرفه الناس اليوم من مشروعاته، لكنه في جوهره امتداد لوفائه لذاكرة مجتمعه وحبه لتراث ظفار ووطنه عُمان. كان يدرك أن ما نرثه عن الآباء والأجداد يحتاج إلى من يصونه ويمنحه مكانًا في وجدان الأجيال القادمة. لذلك لم يكن المتحف مجرد مشروع، بل رسالة وفاء، ومحاولة لحماية الذاكرة من النسيان، وربط الأجيال بما صنع تاريخ المكان وملامحه.

وفي أبنائه اليوم ما يبعث على العزاء والفخر؛ فهم خير خلف لخير سلف. فالأب الصالح يواصل حضوره في القيم التي يزرعها في أبنائه، وفي طريقتهم في معاملة الناس وصلة الأهل وحمل المسؤولية. وحين نرى أثره فيهم، ندرك أن الإنسان قد يرحل بجسده، لكنه يظل حاضرًا في أخلاق من ربّاهم، وفي الخير الذي يستمر من بعده.

ومهما حاولت أن أجمع مآثر خالي محمد، فإنني أجد نفسي أمام سيرة أوسع من أن يحيط بها مقال. وما كتبته هنا ليس إلا نصيبي الشخصي من سيرته؛ ما رأيته منه، وما عشته معه، وما بقي في ذاكرتي من صوته وحضوره وأثره. فبعض الرجال لا تتسع لهم الصفحات، لأن سيرتهم تقيم في الناس الذين أحبوهم، وفي البيوت التي وصلوها، وفي القلوب التي أصلحوها، وفي الذكريات التي يتركها حضورهم في حياة من عرفوهم.

رحم الله خالي محمد رحمة واسعة، وجزاه عن والديه وأهله وأبنائه وأرحامه ومجتمعه خير الجزاء، وجعل ما ظهر وما خفي من عطائه في ميزان حسناته، وأبقى سيرته الطيبة ممتدة في أبنائه ومحبيه وكل من مسه خيره.

أما أنا، فقد مات أبي مرتين؛ مرة حين رحل والدي، ومرة حين رحل الرجل الذي علّمني وألهمني، بحضوره وسيرته، أن الخال قد يكون أبًا كامل المعنى.

د. عبدالعزيز بن سعيد بن علي الغَريبي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z