كُتبٌ تروي سيرة أصحابها.. القاضي غريب بن علي العوفي أنموذجًا

 

 

 

سلمى بنت سيف البطاشي

لم تكن الكتب في الماضي حبيسة الرفوف، بل كانت كثيرة الترحال، تنتقل من عالم إلى آخر، ومن مكتبة إلى أخرى، تحمل صفحاتها آثار من اقتنوها وتعليقاتهم وأختامهم. وربما بدأت رحلة الكتاب في حياة صاحبه الأول، ثم استمرت بعد وفاته، فتداولها الورثة أو باعها أصحاب المكتبات، حتى تستقر بعد سنوات طويلة في يد باحث أو مُهتم بالعلم.

ولهذا نجد في كثير من هذه الكتب القديمة تملُّكات متعددة، وأختامًا متعاقبة، وتعليقات كتبها أصحاب النسخة في أزمنة مُختلفة، حتى تغدو المخطوطة أو الكتاب سجلًا حيًّا لمسيرتها عبر السنين وربما حملت بعض الصفحات أسماء علماء، أو تواريخ شراء، أو عبارات تدل على انتقال الكتاب من شخص إلى آخر، مما يمنح الباحث صورة عن حركة العلم وطرق تداول الكتب في ذلك الزمن.

مخطوطات داخل النص (2).jpeg

وكان اقتناء الكتب عند السابقين أمرًا ذا قيمة كبرى، لذلك حرص بعضهم على بيع مكتبته لمن يعرف قدرها، بينما آلت كتب آخرين إلى طلاب العلم بعد وفاتهم، فحفظت تلك الكتب شيئًا من آثارهم العلمية. ومن هنا أصبحت بعض المخطوطات لا تكتسب قيمتها من نصها فحسب، بل من الرحلة التي قطعتها، والأيدي التي تعاقبت عليها.

ومن النماذج التي استوقفتني في هذا الجانب كُتب الشيخ القاضي غريب بن علي بن غريب العوفي الرستاقيّ، الذي سافر إلى إفريقيا وتولى القضاء في الجزيرة الخضراء ثم زنجبار، وكانت وفاته بها عام 1349هـ/1930م. زمن السلطان خليفة بن حارب، ولقد لفت انتباهي أثناء الاطلاع على بعض الكتب التي تعود إليه، ويبدو من خلال ما بقي من آثاره وهذا أمر ينسجم مع مكانته بوصفه عالمًا وقاضيًا ارتبطت حياته بالكتب واقتنائها. ومن خلال تتبع بعض النسخ المرتبطة به والتي واصلت رحلتها بعد صاحبها متنقلة بين المهتمين بالعلم وحفظ الكتب وتكشف بعض هذه النسخ عن أسماء ملاكِ آخرين، أو إشارات تدل على انتقالها من شخص إلى آخر، وأنَّ عددًا منها انتقل من شرق إفريقيا إلى عُمان في فترة لاحقة ومما يجعلها شاهدًا على جانب من حركة الكتب في ذلك الزمن وتكتسب الكتب المستعملة أهميتها من كونها لا تحمل النصوص وحدها، بل تحفظ كذلك آثار أصحابها السابقين، وما تكشفه من رحلة انتقالها من مكان لآخر، فالكتب المستعملة ليست أقل شأنًا من الجديدة وفي رأيي بأنها تضفي عليها معنىً وخصوصية لا توجد في الكتب الجديدة وتمنح القاريء شعورًا بأن للنسخة حكاية وكأنها تضيف إليه شيئًا من تأريخ قرائها وأصحابها.

مخطوطات داخل النص (3).jpeg

ومن يتتبع رحلة هذه الكتب والتي تحتفظ بأسماء ملاكها في فترات مختلفة ونظرًا لأهمية هذه التقييدات في توثيق تأريخ هذه النسخ من الكتب أدرجت صور ضمن هذا المقال لتكون شاهدًا على ما تضمنته من معلومات وأسماء وتواريخ وانتقالها بين عدد من أصحابها ولعلها تسهم في الإفادة منها في الدراسات اللاحقة وتعين الباحثين المهتمين على تتبع ما قد يرتبط بهذه النسخ من معلومات وشواهد.

ومن اللافت أن هذه النسخ لم تبقَ حبيسة مكتبة واحدة، بل واصلت انتقالها من مالك إلى آخر، حتى وصلت إلينا محتفظة بأسماء عدد من أصحابها، وكأنها تسجل بنفسها تأريخ رحلتها عبر الزمن. وقد رتبت على ما دوّن على النسخ من أسماء الملاك الواردة في هذه الكتب ترتيبًا زمنيًّا يبدأ بالأقدم فالأحدث، لإبراز مراحل انتقال الكتاب وتعاقب ملاكه قدر المستطاع.

(1) هذا الكتاب مال غريب بن علي بن غريب العوفي اشتراه عند عبد الرحمن الحضرمي بتاريخ يوم 10 صفر سنة 1307 من الهجرة. [كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام الأنصاري]

(2) هذا الكتاب مما منّ الله به على عبده غريب بن علي من مكة المشرفة .. بتاريخ يوم 28 شوال سنة 1317 كتبه غريب بيده.

(3) هذا ملك لغريب بن علي العوفي بيده.

(4) يوم 2 الحج 1315 انتقل هذا الكتاب لي بالشراء من سالم بن سليم ... للحقير غريب بن علي بن غريب العوفي بيده.

(5)انتقل لغريب بن علي بن غريب العوفي بالشراء من سالم بن سعيد الشقصي بأربع روبيات فضة 10 ذي القعدة سنة 1332.

(6) المُلك لله وحده، وهذا الكتاب مما منّ الله به على عبده غريب بن علي بن غريب العوفي بيده بالشراء من الشيخ سالم بن محمد الرواحي من زنجبار.

ويبرُز اسم القاضي غريب بن علي بن غريب العوفي بوصفه أحد الشخصيات العلمية التي ارتبط اسمها بهذه الكتب اقتناءً وتداولًا بقي اسمه حاضرًا في صفحاتها، وتبقى هذه الشواهد شاهدًا عليه. وبعد أن تنقلت هذه الكتب بين عدد من الملاك، آلت إلى سيدي الوالد الشيخ القاضي المؤرخ سيف بن حمود البطاشي -رحمهم الله- عن طريق الشراء، لتستقر ضمن مكتبته الخاصة. وفي هذه الصفحة حضرت أسماؤهم وآثارهم وكأنها تروي جانبًا من سيرتهم بعد رحيلهم رحمهم الله جميعًا، وجزاهم خيرًا على ما حفظوه من علم وتراث، حتى وصل إلينا اليوم.

وفي ختام هذا المقال، أوجِّهُ دعوةً إلى كل من لديه معلومات أو وثائق أو روايات مُوثقة تتعلق بالقاضي غريب سواء عن حياته في الرستاق أو عن مرحلته في شرق أفريقيا، لمشاركتها إذ إن ما أمكن الوقوف عليه حتى الآن يشير إلى أنَّ هذه الشخصية تستحق مزيدًا من البحث والتوثيق ولعل تعاون المُهتمين يُسهم في استكمال جوانب من مسيرته وإبراز أثره العلمي.


مخطوطات داخل النص (1).jpeg

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z