عباس الزدجالي
تكاد قصة توظيف العُمانيين في القطاع الخاص، منذ البدايات الأولى للنهضة الحديثة، تُختَصَر في حكاية عجيبة: كلما عالجت الدولة عِلّة قيل إنها تحول دون توظيف المواطن، ظهرت عِلّة أخرى. وكلما أُغلق باب للعذر، فُتحت نافذة. وإذا أُغلقت النوافذ كلها، بدأ البحث عن مَنْفَذٍ ولو كان في خرم إبرة!
في البدايات كان العذر مفهومًا إلى حد كبير. دولة حديثة البناء، ومؤسسات تتوسع بسرعة، واقتصاد يحتاج إلى عشرات التخصصات، بينما كانت أعداد الكفاءات الوطنية المؤهلة محدودة؛ فاستقدام الخبرات والعمالة الأجنبية لم يكن ترفًا، بل ضرورة فرضتها مرحلة بناء الدولة والاقتصاد. لكن تلك المرحلة مضت منذ زمن طويل.
توسعت المدارس، وأُنشئت الكليات والمعاهد والجامعات، وابتُعث آلاف العُمانيين إلى الخارج، وتخرج أطباء ومهندسون ومحاسبون وإداريون وتقنيون ومتخصصون في مختلف المجالات. وكان المتوقع أن يتراجع العذر القديم تلقائيًا. لكنه لم يختفِ؛ غيّر ملابسه فقط.
قيل: الشهادة وحدها لا تكفي، والعُماني يفتقر إلى الخبرة.
حسنًا. توسعت برامج التدريب والتأهيل، وأنشئت برامج التدريب المقرون بالتشغيل والتدريب على رأس العمل، وأُتيح للقطاع الخاص أن يحدد المهارات التي يحتاج إليها ليجري إعداد الباحثين عن عمل وفق متطلباته.
فظهر عذر جديد: الإنتاجية!
ثم أثبت آلاف العُمانيين، في شركات كبيرة وصناعات معقدة ومهن فنية وإدارية دقيقة، أنهم قادرون على العمل والإنتاج وتحمل المسؤولية، بل وإدارة المؤسسات نفسها.
فماذا بقي؟
الراتب!
قيل إن المواطن أكثر كلفة من الوافد. فتدخلت الدولة ببرامج لدعم الأجور والتشغيل والتدريب، وتحملت جانبًا من الكلفة لتسهيل دخول المواطنين إلى سوق العمل.
فهل انتهت الأعذار؟ بالطبع لا!
انتقل الحديث إلى «ثقافة العمل»، ثم المرونة، وساعات الدوام، والاستقرار الوظيفي، وقبول المهن، والانتقال الجغرافي، وأحيانًا إلى أسباب يصعب قياسها أصلًا. وهكذا ظل العذر يتناسل كلما اختفى سابقه، حتى أصبح المرء يتساءل ساخرًا: إذا عالجنا كل هذه الأسباب، فهل سنحتاج إلى مجهر للبحث عن العِلّة التالية داخل خرم الإبرة؟
والإنصاف يقتضي ألا نضع القطاع الخاص كله في سلة واحدة. هناك مؤسسات عُمانية استثمرت فعلًا في المواطن، ودربته ومنحته الفرصة حتى وصل إلى أعلى المستويات الإدارية والفنية. كما أن هناك أعمالًا وتخصصات لا تزال البلاد بحاجة فيها إلى خبرات وعمالة وافدة، وهذا أمر طبيعي في اقتصاد مفتوح.
كما أن العامل الوافد نفسه ليس المسؤول عن المشكلة؛ فهو لم يفرض نفسه على سوق العمل، وإنما جاء بعقد وتأشيرة ووظيفة وفَّرها له صاحب عمل. ومن الظُلم تحميله نتيجة معادلة اقتصادية لم يصنعها. المشكلة الحقيقية تكمن في نموذج اقتصادي اعتادت قطاعات منه طوال عقود على وفرة العمالة منخفضة التكلفة.
رجل الأعمال، في النهاية، ليس مؤسسة خيرية. هو يبحث عن الربح وتقليل النفقات، وهذا حق مشروع. وإذا كان أمامه عاملان يستطيعان أداء العمل نفسه، وكان أحدهما أقل تكلفة وأكثر قبولًا بساعات وشروط معينة، فإن منطق الربح سيدفعه إلى الأرخص ما لم تكن هناك عوامل أخرى تجعل الاستثمار في المواطن أكثر جدوى على المدى الطويل.
ومن هنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا.
فبعد نحو نصف قرن من التعليم والابتعاث والتدريب والتأهيل وسياسات التعمين وبرامج دعم الأجور والتدريب على رأس العمل، إلى متى سيظل المطلوب من المواطن وحده أن يثبت أنه يستحق الوظيفة؟
قيل إنه غير متعلم، فتعلم.
وقيل غير مؤهل، فتأهل.
وقيل بلا خبرة، فتدرب.
وقيل إن إنتاجيته ضعيفة، فأثبت كفاءته.
وقيل إنه أكثر كُلفةً، فساهمت الدولة في دعم أجره.
فما العِلّة التالية؟
ربما آن الأوان لأن نعكس السؤال الذي تكرر طوال عقود. فبدلًا من أن نسأل كل مرة: لماذا لا يستطيع العُماني منافسة الوافد؟ ينبغي أن نسأل: كيف نطلب منه منافسة عادلة إذا كان انخفاض كلفة الوافد في حد ذاته أحد أهم أسباب تفضيله عليه؟ فالفرق كبير بين استقدام وافد لأن مهارته غير متوافرة محليًا، واستقدامه لمجرد أنه أرخص من مواطن قادر على أداء العمل نفسه.
الأول حاجة اقتصادية مشروعة، والثاني يطرح سؤالًا جوهريًا حول معنى التعمين وجدوى كل ما أنفق على التعليم والتدريب والتأهيل.
ولا يعني ذلك أن الباحث عن عمل مُعفى من المسؤولية. عليه تطوير مهاراته، وقبول الفرص المناسبة، وإثبات جديته وإنتاجيته. لكن المسؤولية لا يمكن أن تظل طريقًا باتجاه واحد: الدولة تؤهل، والمواطن يتدرب، ثم يبقى القطاع الخاص حرًا في العودة إلى الخيار الأرخص، وبعد ذلك نتساءل لماذا استمرت مشكلة الباحثين عن عمل!
بعد كل هذه السنوات، ربما لم نعد بحاجة إلى برنامج جديد لاكتشاف ما ينقص العُماني بقدر حاجتنا إلى مراجعة صريحة لما ينقص معادلة سوق العمل نفسها.
فإذا ظل المواطن، بعد كل ما قدمته الدولة وما بذله هو من تعليم وتأهيل، مطالبًا كل مرة بإثبات أهليته من جديد، بينما يكفي منافسه أن يكون أقل تكلفة، فسوف تستمر رحلة البحث عن الأعذار.
وحين تنفد الأعذار الكبيرة، لا تقلقوا... سيجد البعض عِلّة أخرى، ولو اضطر إلى البحث عنها داخل خرم إبرة!
