د. سليمان بن خليفة المعمري
يُعد التنظيم الانفعالي أحد أهم المهارات الشخصية لما لها من أهمية كبيرة في صحة الفرد النفسية والجسمية؛ إذ إنَّ تمتع الإنسان بمهارة التنظيم الانفعالي تجعله يستطيع أن يضبط ويدير انفعالاته ويعبر عنها بطريقة صحية، كما تمكنه من السيطرة على ردوده الانفعالية في مواقف الحياة المختلفة عند تعامله مع الآخرين، بالإضافة إلى قدرته على البقاء هادئا، وعدم الانفعال المفرط سلبا أو إيجابا، والقدرة على التعامل مع الآخرين معاملة يسودها الهدوء والاحترام والمسؤولية وبما يتوافق مع المعايير والتوقعات الاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع.
لذا فإنّ فهم الانفعالات والوعي بها مع القدرة على ضبطها وتنظيمها والتعبير عنها بصورة صحية ملائمة تُعد من أهم مؤشرات التنظيم الانفعالي التي يجب على الإنسان أن يتحلى بها، إذ نجد في القرآن الكريم الإشادة بهذا السلوك الحميد كما في قوله تعالى "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (آل عمران، 134)، كما نجد الحض النبوي الكريم على ضرورة بعد الإنسان عن الاستثارة والانفعال والغضب ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : "أوصني"، قال : (لا تغضب)، فردّد، قال : (لا تغضب) "رواه البخاري"؛ إذ يتسبب الغضب والانفعال في وقوع الإنسان في الكثير من المشكلات النفسية والسلوكية وسوء التعامل مع الآخرين وبالتالي خسارة العلاقة مع الآخر.
كما تشير العديد من الدراسات إلى أهمية التنظيم الانفعالي في تحقيق السواء النفسي للفرد ونجاحه الشخصي والمهني، ولعل من التجارب المثيرة في هذا الجانب تلك التجربة التي أجراها والتر ميشيل من جامعة ستانفورد؛ إذ قام بوضع قطعة من البسكويت أمام مجموعة من الأطفال وخيّرهم بين أكلها أو الانتظار حتى رجوعه بعد ربع ساعة، ولهم قطعة بسكويت ثانية، فوجد أنّ قرابة (70%) من الأطفال أكلوا قطعة البسكويت بينما انتظر قرابة (30%) منهم لحين عودته ليكافئهم بقطعة بسكويت إضافية، وقد وجد بعد سنوات من التجربة أنّ الأطفال الذين انتظروا عودته كانوا أكثر تنظيمًا لاندفاعاتهم وكانوا أكثر ثقةً ونجاحًا على المستوى المهني والشخصي.
على أنّ التنظيم الانفعالي وخاصة التعبير الصحي مثل "البكاء" عندما تعتري الإنسان مشاعر الحزن والأسى كما في حالات الخسارة والفقد تصطدم بالموروث الثقافي العربي الذي يستنكر على الرجال البكاء ويعده ضعفًا يتنافى مع معاني الرجولة والقوة والوقار؛ إذ تمتلئ كتب التراث والأشعار بالمعاني التي تجلّ صمود الإنسان وتجلده وعدم سفحه الدموع حتى وإن كان الموقف يقتضي ذلك، ومن ذلك تلك الأبيات الشهيرة التي أنشدها أبو فراس الحمداني التي يقول فيها:
أَيَضحَكُ مَأسورٌ وَتَبكي طَليقَةٌ
وَيَسكُتُ مَحزونٌ وَيَندِبُ سالِ
لَقَد كُنتُ أَولى مِنكِ بِالدَمعِ مُقلَةً
وَلَكِنَّ دَمعي في الحَوادِثِ غالِ
على أنّ البكاء غريزة إنسانية ودليل رحمة وتأكيد على الواقعية والطبيعة البشرية، ولا يتنافى مع السمت أو القوة أو الرجولة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد روى أنس بن مالك قوله: دَخَلنا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أبي سَيفٍ القَينِ، وكان ظِئرًا لإبراهيمَ عليه السَّلامُ، فأخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إبراهيمَ، فقَبَّلَه، وشَمَّه، ثُمَّ دَخَلنا عليه بَعدَ ذلك وإبراهيمُ يَجودُ بنَفسِه، فجَعَلَت عَينا رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَذرِفانِ، فقال له عبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضيَ اللهُ عنه: وأنتَ يا رَسولَ اللهِ؟ فقال: يا ابنَ عَوفٍ إنَّها رَحمةٌ، ثُمَّ أتبَعَها بأُخرى، فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقَلبَ يَحزَنُ، ولا نَقولُ إلَّا ما يَرضى رَبُّنا، وإنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزونونَ (رواه البخاري)، لذا كان البكاء تنفيسا طبيعيا وصحيا للمشاعر يجب أن لا نخجل منه، فهو أحد صور التنظيم والتعبير الانفعالي السليم، وأن كبت المشاعر وعدم التعبير عنها يترتب عليه آثار نفسية وصحية غير محمودة العواقب، وقد صدق من قال" كن رجلا وابك"، بل إننا نقول" كن إنسانا وابكِ".
