تأمُّلات في أبياتٍ قديمة

 

 

د. صالح الفهدي

في صغرنا، كنتُ أسمعُ معلِّم القرآن الكريم يُردِّدُ أبياتًا كلَّما لفته أمرٌ يُعدِّه من خروجًا على العادات والتقاليد، فيقول:

من مشى مشيةَ تِيْهِ // ونسى ما كان فيهِ

وتردَّى برداءٍ// ما تردّاه أبيهِ

سوف يأتيه زمانٌ // يتمنَّى الموتَ فيهِ

هكذا كان ينطقها بغضِّ النظر عن أصل نطقها وإعرابها، ولم أكن أفهم المعنى العميق لتلك الأبيات، بل أقصى فهمي لها أن المقصود هو من يلبسُ ثوبًا يخالفُ اللباس المعتاد، وقد يكون كذلك حينها إذ يرانا المعلِّم ونحنُ نلبس الملابس الرياضية إمَّا ذاهبون إلى المدرسةِ لبدءِ اليومِ بحصَّة رياضة، وإما يرانا في أوقاتٍ أُخرى ونحن نتجهُ للعب الكرة التي كان يمقتها أشدَّ المقت!

على كلِّ حالٍ فإننا اليومَ حين نتمثَّل بهذه الأبيات البسيطة التي يحفظها الكثير من العُمانيين ونحنُ نقرنها بالانسلاخ من الهويةِ التي تربَّى عليها المجتمع خاصَّة في ثوابتها الأصيلة التي تشكِّل ما يميِّزها من لغةِ، وعادات وتقاليد ومظاهر وآداب السمت، فإننا نجدُ في تلك الأبيات عُمقًا يتَّسعُ لهذا المعنى؛ فإذا نظرنا إلى الأبيات من زاوية الانسلاخ عن الهوية بعيدًا عن دلالة «الثوب» الحَرْفية، فإنها تُصبح أكثر عمقًا؛ لأنها تتحدث عن إنسان لا يكتفي بتقليد الآخر، بل يصل إلى مرحلة التنكر لما كان عليه أصلًا.

وننظرُ إلى "من مشى مشية تيه، ونسى ما كان فيه" أنها تعبيرٌ عن معنى فقدان المرجعية الهويَّاتيَّة؛ بمعنى أن ينسى الإنسان لغته، وقيمه، وتاريخه، وسمته، وخصوصيته، ثم يبدأ بالنظر إلى ما ورثه عن مجتمعه وكأنه شيء متخلف ينبغي التخلص منه، ويبدا بالتبرير بحجَّة أنه يفعلُ ذلك من باب مقتضيات العصرِ، وأنَّ الحياة تفرضُ عليه أن يتكلَّم لغةً غير لغته، ويتواصلَ بها مع الآخرين، وهذا ما يُطلقُ عليه المؤرخ ابن خلدون بـ"الوَلَع" وذلك في عبارته الشهيرة الواردة في مقدمته "أنَّ المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده".

هذا التبريرُ هو تضليلٌ للعقلِ، وإفسادٌ للقناعات السابقة فيه، فإذا ضُلِّل العقلُ بهكذا تبرير أجازَ التقليدَ بل وأسبغَ عليه صفة التجدُّد والحداثة ومجاراة العصر، وأنكرَ الماضي ووصمه بالتخلفِ والرجعية، وهُنا يقع في المحظور إذ يتردى برداءٍ ما تردَّاه الأب، حين يستبدلُ الانتماء بانتماء آخر؛ أي أن يتقمص الإنسان نموذجًا ثقافيًا واجتماعيًا لا ينتمي إليه، لا لأنه اختاره عن وعي، وإنما لأنه اقتنع أن النجاح والتقدم لا يكونان إلا بالتشبه بالآخر.

والنتيجة الحتميَّة لذلك هي "سوف يأتيه زمان يتمنى الموت فيه"؛ فهي نتيجة نفسية وحضارية للانسلاخ؛ فالإنسان إذا قطع صلته بجذوره، ثم اكتشف أن ما قلّده لم يمنحه بالضرورة معنى أو كرامة أو استقرارًا، قد يجد نفسه في حالة من الاغتراب عن ذاته: لا هو بقي كما كان، ولا أصبح ما أراد أن يكون.

وأذكُرُ هنا قصَّة فتىً عُمانيًا خرج من إحدى ولايات الداخلية فقادتهُ المقادير في الستينات من القرن الماضي لسبب معيَّن إلى دولة السويد، وهُناك عاش وتزوَّجَ، وفي الثمانينات بعث لأهلهِ ببرقيَّةٍ وصلت والي إحدى الولايات وأُوصلت البرقية إلى أهله وفحواها أنه يدعو بعض أهله لزيارته، فلمَّا سافرَ بضعة رجال من أقاربه صُدموا من المشهد: قابلهم رجلٌ تغلبُ عليه البشرةُ الحمراء، والشعر الكثيف الأشقر، كان مرتديًا قميصًا مفتوحَ أزرار الصدر، وقد علَّق في عنقه سلسلة تنتهي بإِشارةٍ للصليب في دلالة واضحةٍ بأنَّه قد تنصَّر، وتزوج إحدى السويديات، ويملك أستوديو للموسيقى. لقد هاجر وهو فتى صغير لم يبلغ العشرين من عمر من بلدةٍ محافظةٍ لينفصلَ تمامًا عن تاريخه، وجذوره، ودينه، فكان اللقاءُ باهتًا من هولِ الصدمة، وكان وقع سؤاله الساخر مؤلمًا لأقربائه: هل ما زلتم تعيشون في تلك البيوت الطينية؟ سؤالٌ يحملُ استصغارًا واحتقارًا لماضيه.

اليوم عظُمت التحديات، وتكالبت المؤثرات، ولعلَّ الانفصال عن الهوية يبدأ من التبرير "هذا هو الواقع" وينتهي بـ"الانسلاخ من الهوية". والانسلاخ من الهوية لا يبدأ دائمًا برفضها، وإنما يبدأ أحيانًا باستصغارها، يبدأ حين يرى الإنسان أن لغة الآخر أرقى من لغته، وثقافته أكثر تقدمًا من ثقافته، وأن ما عنده لا يصلح للعصر الجديد، ثم يتحول هذا الشعور تدريجيًا إلى تقليد، والتقليد إلى تبعية، والتبعية إلى اعتقاد بأن التخلي عن الهوية أمر تفرضه الحياة.

وهنا تكمُن خطورة الفكرة؛ لأن عبارة "هذا هو الواقع" قد تتحول إلى ذريعة لإسقاط كل الثوابت، بينما الحقيقة أن الانفتاح على العالم لا يستلزم الذوبان فيه، والتطور لا يستلزم التنكر للأصل.

لقد سمعتُ هنديَّا يتحدث إلى طفله بالعربية، وعُمانيَّا يتحدث إلى طفله بالإنجليزية، وأسبانيّون موريسكيون (ذوي أصول إسلامية) يفاخرون بتحدثهم العربية لغة أسلافهم، وعربًا ينسلخون بفخرٍ من عربيتهم!!

نعود إلى الأبيات فهي تقول لنا ضمنًا: إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يأخذ من غيره، وإنما أن يأخذ منه حتى ينسى نفسه؛ وليس أن يتغير، وإنما أن يتغير تحت وهم أن بقاءه على هويته أصبح عائقًا أمام تقدمه؛ فالإنسان يستطيع أن يتعلم من الآخر دون أن يصبح هو "الآخر"، وأن يتطور دون أن يتنكر لأصله، وأن يعيش عصره دون أن يقطع صلته بجذوره.

الهوية لا تمنع الإنسان من أن يتقدم؛ الذي يمنعه هو أن يعتقد أن عليه أن يتخلى عن هُويَّته لكي يتقدم.

الأكثر قراءة

z