سلمى بنت سيف البطاشي
لا تقتصر قيمة الوثائق التأريخية على كونها أصولًا محفوظة، بل تمتد أيضًا إلى النسخ المُصوَّرة، التي أسهمت في صون كثير من النصوص من الضياع، وأبقت ما تحمله من أخبار وأحداث في متناول الباحثين.
ومن بين الأوراق التي حفظها سيدي الوالد الشيخ القاضي سيف بن حمود البطاشي -رحمه الله- في مكتبته الخاصة، وقفتُ على 4 وثائق مصوَّرة تتناول المَحْل والجفاف في فترات متفرقة من تاريخ عُمان، وقد دوّنها 4 من المشائخ، وهم: شامس بن خنجر بن شامس البطاشي، وحمود بن محمد بن شماس البطاشي، وسلطان بن محمد بن سلطان البطاشي، وشماس بن حمود بن محمد البطاشي؛ الأمر الذي يُضفي عليها قيمة خاصة؛ إذ تمثِّل شهادات مُتعددة رصدت هذه الأحداث. وتتنوّع هذه الوثائق على مراحل زمنية متباينة؛ وتبقى شاهدة على الفترات التي مرَّت بها البلاد، بما فيها من رخاء وشدة، فترجع وثيقتان من الأربعة إلى فترة حكم السلطان فيصل بن تركي (ت: 3 ذي القعدة 13331هـ 1913م)، بينما كُتبت وثيقة أخرى بعد مقتل الإمام سالم بن راشد الخروصي (استشهد: 1338هـ/ 1920م)، أما الوثيقة الرابعة فتعود إلى زمن السلطان سعيد بن تيمور(ت: 1392هـ/ 1972م)، ويكشف هذا التنوّع الزمنيّ عن استمرار فترات المَحْل والجفاف في عُمان عبر أزمنة مختلفة، وما صاحبها من آثار على الأحوال المعيشيّة والاقتصادية، وتعكس جانبًا من الظروف التي عاشها الناس في تلك الفترة، وما صاحبها من قِلّة في الموارد وشدة في المعيشة.
وتبرز أهمية مثل هذه الوثائق في أنها تنقل لنا صورًا قريبة من الواقع الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ إن أخبار الجفاف والقحط (المحل) قد تَرِد في بعض المصادر بإيجاز، بينما تحفظها الوثائق والمراسلات بعبارات مباشرة تكشف عن أثر تلك السنوات في حياة الناس اليومية ويظهر من هذه الوثائق أن المعاصرين لتلك الفترات لم يغفلوا تسجيل سنوات الجفاف والمحل، فحفظوا لنا شيئًا من أخبارهم بالتدوين.
ومما جاء في هذه الوثائق على حسب ترتيبها الزمني:
- [وقع لنا في سنة 1308 بعد الهجرة بلغ جراب السّح الذي وزنه (سبعة منان بقال) بلغ بعشرين قرشًا فضة وذلك في (بلد إحدى) وبلغ (بهار البسر) في بندر مسكد عشر توامين........... كتبه سيف بن محمد بن عدي البطاشي يوم 29 شعبان سنة 1308هـ [8 إبريل 1891م].
وبتأريخ عصر السلطان فيصل بما وقع في عهده من الغلاء والقحط وصلت (الجونيّة) في بندر مسقط 11 قرشًا فِضّة ووصل (كسر القرش) 3 مئة و10 بيسات ووصلت (قفعة الحب) 13 قرشًا. ولله عاقبة الأمر بما يجز نسأل الله العفو والعافية في حياتنا وبعد مماتنا يا رب أن ترحم المسلمين كافة والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين. كتبه شامس بيده. وفي الصفحة التالية كتب:
- [تأريخ ما وقع الله في زماننا هذا من الغلاء والقحط بلغت (الجونية) أحد عشر قرشًا فضة و(قفعة الحب) أربعة عشر قرشًا فضة و(سُدس الدَّخَن) عشر بيسات و(كياس السمن) 22 بيسة و(بهار البسر) أحد عشر تومان و(بهار سح البرني) سبعة توامين وباقية الأسعار من مأكول وملبوس ما شاء الله على هذه الصفة وأزيد ونسأل الله العاقبة خيرا. وذلك في زمان سيدنا المعظم فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان ابن الإمام كتبه.. العبد الحقير المقر بالتقصير خادم الحق وأهله شامس بن خنجر بن شامس بن خنجر بن شامس بن ناصر بن سيف بن كهلان بن خنجر بن شامس بن عدي بن فارس بن سنان البطاشي نسبًا والإباضي مذهبًا والمسفاة وطنًا بتأريخ يوم 8 جمادى الآخر 1314.
- [تأريخ ما وقع في دولة فيصل بن تركي من القحط والغلا والمحل وتم والناس في تعب وشدة وصل القرش كسره 3 مئة وعشر بيسات الجونية 11 قرش والقفعة 13 قرش وصل السمن 4 كيسات 15 بيسات وصيد البحر البقال... بيسة وكاسر القاشع البرية 27 بيسة وصل (المِنْ لحم الغنم) أربعة قروش إلا ربع وجراب سح النغال 6 قروش وسح البرني البهار 50 قرش وصل بهار البسر سبعة عشر [17] تومان إلا ربع وصل منّ السح... بقرش كاسر الفندال 6 بيسات وسدس المج ربع قرش وسدس اللوبيا 60 بيسة وكاسر البزار 36 بيسة وذراع الثوب الأبيض 36 بيسة وزاد الغلا في كل شي لا يحصى عدده إلا الله. ولله عاقبة الأمر. تاريخ يوم 27 من شهر المحرم سنة 1321 وكتبه حمود بن محمد بيده.
- [تأريخ المحل سنة مقتول إمام المسلمين سالم بن راشد الخروصي وبقي المحل في عُمان من مغربها إلى مشرقها وماتت الطائيين فلج العوفي من غبرة الطام والأشخر والمرة وصوط لا بقى فيها فلج يسقى والبيّض والركاكية والسيدافي ومحلاح وبوبعره والظلمى ببلد عقدا وكذلك السبل وشات والأسباح في أول مات ثم خدموه وقطع وقطع ثمره سنة واحدة واحترق السيب من عاضد الجحلي إلى البدايع وقام المحل مدة طويلة إلى آخر سنة 20. في يوم عاشر من ذي الحجة هبط الوادي ويوم من شهر المذكور وغل الأسباح غلة جيدة وزرعوا أهل الطائيين من عقدا إلى شات بر وعدل وأخذوا حبوب كثيرة حتى منّ الله علينا بالخصب الثاني في يوم 17 شعبان سنة 1321 وسال الوادي 6 مرار من الواصط إلى دغمر والحمد لله والسح من بقال... يأتوه من سمايل البهار قرش وكراه قرش فرض.... التجار من بقال... وأما أهل جابولهم... من البصرة وجابوها إلى الطائيين هذا خبر المحل. وكتبه العبد لله سلطان بن محمد بن سلطان بن محمد بن صلت البطاشي بيده بتاريخ 17 رمضان سنة 1321.
- [بسم الله الرحمن الرحيم قد وقع الغلا والقحط في زمان ملك سيدنا سعيد بن تيمور. الجونية العيش عن 90 قرشا فضة وجونية البر عن خمسين قرشا فضة والثوب الأبيض ذراع ونصف بقرش.. البفتة ذراع بقرش والسمن... مسكد عن قرش البريسم الزين الذراع عن خمسة قروش... الابريسم عن قرشين..... المالود الجدي عن أربعة قروش المن اللحم الغنم.. عن 10 قروش......... وقد فوضنا أمرنا لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بقلم العبد لله شماس بن حمود بن محمد بن شماس بن محمد بن شامس البطاشي بيده في يوم 19 الحج سنة 1364.
ويظهر من خلال هذه الوثائق أن الجفاف كان له أثر واضح في حياة الناس ومعايشهم، كما تكشف الوثائق عن طبيعة اللغة المستخدمة في الوثائق العُمانية عند الحديث عن سنوات القحط والمحل. وتزداد أهمية هذه النصوص لكونها تمثل شواهد مكتوبة من زمن الحدث نفسه، مما يمنحها قيمة تأريخية كبيرة.
وكذلك تحفظ بين سطورها أخبارًا وتحمل في عباراتها شيئًا من أصوات الناس وهمومهم، وتحفظ أثر السنوات العصيبة التي مرت بها البلاد، وتكشف لنا من ملامح الحياة في تلك الفترات، وتعيد إلى الذاكرة صورة السنوات التي عانى فيها الناس لتصل إلينا اليوم شاهداً على مرحلة من مراحل التأريخ العُماني.
ولا تقتصر أهمية هذه الوثائق على ما سجلته من أخبار المحل والجفاف؛ بل تمتد كذلك إلى ما تضمنته من ألفاظ باللهجة العُمانية الدارجة في ذلك العصر، إلى جانب أسماء العملات والمصطلحات المتداولة آنذاك، وتمثل هذه المفردات مادة ذات قيمة علمية للباحثين في التأريخ واللغة والاقتصاد، وفهم طبيعة التعاملات السائدة في تلك الأزمنة.




