أحمد مسلم سوحلي جعبوب
الرقع (Ficus vasta) شجرة مُعمرة ضخمة من الفصيلة التوتية، وتُعد من أكبر أنواع التين في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. يصل ارتفاعها من 20–30 مترًا أو أكثر، بجذع سميك متشعب وتاج واسع كثيف الظل. اللحاء رمادي مائل إلى البني وخشن، وتفرز الشجرة عصارة لبنية عند جرحها. الأوراق كبيرة، بيضوية إلى قلبية الشكل، سميكة، ذات سطح علوي أخضر داكن وخشن، وسطح سفلي مكسو بزغب خفيف.
الثمار كروية صغيرة، تظهر في عناقيد، ولها ثمار توتية سكرية خضراء مأكولة، جذابة للطيور مثل الحمام واليمام وغيرها، وتعتبر مصدر غذاء مهم للحياة البرية.
وينتشر الرقع في شرق أفريقيا ويمتد إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، ويظهر بشكل واضح في سلطنة عمان، خاصة في محافظة ظفار حيث يوجد بأعداد كبيرة، كما يتواجد في اليمن وجنوب غرب المملكة العربية السعودية في الجبال. ينمو عادة في الأودية والمنحدرات الجبلية الرطبة والمرتفعات المتوسطة إلى العالية، مستفيدًا من موسمي الرطوبة والغيوم.
ويسمى محليًا في ظفار طيق وفي بعض مناطق الجزيرة العربية الطالوقة، وله أهمية بيئية كبيرة، إذ يوفر الغذاء والمأوى للكائنات البرية، ويساهم في تثبيت التربة ومنع انجرافها. كما يرتبط بعلاقة تكافلية مع دبابير التين لضمان تلقيح الأزهار داخل الثمار، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في النظام البيئي المحلي.
وله أهمية ثقافية واستخدامات تقليدية في ظفار منذ الأزمنة القديمة، حيث تُؤكل الثمار غير الناضجة بعد إضافة الملح، أما الثمار الناضجة فمذاقها حلو ويُؤكل مباشرة، وما تساقط من الثمار يعتبر علفا للحيوانات العاشبة. كما يُستخدم اللبن المستخرج من جروح الشجرة في تضميد الجروح، ويمكن جرح الشجرة عدة أيام متتابعة لاستخراج اللبن وتركه ليجف لمدة يومين، ثم يُستخرج الصمغ الجاف ويُستخدم كعلك طبيعي. يوفر الرقع أيضًا ظلًا وارفًا، لذلك كانت تُقام المناسبات تحت هذه الشجرة الواسعة الظل، كما توفر مأوى للحيوانات العاشبة من حرارة الشمس وقت الظهيرة.
التلقيح في التين البري يقوم على علاقة تكافلية شديدة التخصص بين شجرة التين ودبابير من فصيلة Agaonidae تُعرف بدبابير التين. وفي الغالب يرتبط كل نوع من التين بنوع محدد أو بمجموعة قريبة جدًا من الدبابير الملقِّحة له نتيجة تطور مشترك طويل، وليس هناك دبور واحد عام لكل أنواع التين. تدخل أنثى دبور التين إلى البنية الزهرية المغلقة عبر فتحة قمِّية صغيرة تُسمّى الأستيول (Ostiole)؛ وهي تكون عادةً محمّلة بحبوب لقاح التصقت بجسمها عند خروجها سابقًا من سيكونيوم ناضج آخر يحتوي أزهارًا ذكرية نشطة. لذلك يكون مصدر حبوب اللقاح في الغالب من تينة أخرى، وليس من نفس التينة التي تدخلها.
وعند دخولها، تنتقل حبوب اللقاح داخل التجويف أثناء حركتها بين الأزهار الداخلية؛ حيث يؤدي الاحتكاك المباشر بالأزهار القابلة للإخصاب إلى وصول حبوب اللقاح إلى المياسم، وفي الوقت نفسه قد تضع بيضها داخل بعض الأزهار، ما يجعل جزءًا من دورة حياتها مرتبطًا داخل السيكونيوم.
في التين البري، أنثى دبور التين تكون قد خرجت أصلًا من سيكونيوم آخر ناضج يحتوي أزهارًا ذكرية نشطة، وهناك تلتصق حبوب اللقاح بجسمها (خصوصًا الصدر والرأس وأحيانًا الأرجل). لذلك فهي تحمل اللقاح من تينة أخرى غالبًا، وليس من نفس التينة التي تدخلها.
ما يُعرف بالتينة ليس ثمرة حقيقية، بل هو نورة زهرية مغلقة متحورة تُسمّى السيكونيوم (Syconium)، وهي عبارة عن تضخم في الحامل الزهري يأخذ شكل تجويف لحمي مغلق. هذا التجويف يحتوي داخله على عدد كبير من الأزهار الصغيرة جدًا. الجدار الخارجي الذي نراه هو في الأصل جدار هذا الحامل الزهري المتحوّر، وليس ثمرة مستقلة.
وتتوزع الأزهار داخل السيكونيوم بطريقة تنظيمية: غالبًا توجد الأزهار الذكرية بالقرب من فتحة الأستيول، بينما تبطن الأزهار الأنثوية معظم الجدار الداخلي. الأزهار الذكرية تنتج حبوب اللقاح، أما الأزهار الأنثوية فتحتوي على مبايض تتحول بعد التلقيح إلى ثمار صغيرة جدًا (أكنات/ بذور داخلية). وبذلك فإن ما يُؤكل من التين هو في الحقيقة مجموعة من الثمار الصغيرة الناتجة عن أزهار داخل نورة واحدة، وليس ثمرة واحدة بالمعنى التقليدي.




