محمد أنور البلوشي **
هل الشاعر أيضًا يتعب؟ يتعب من ماذا؟ ربما يتعب من العصر، ومن المجتمع، ومن الناس، ومن العالم. ولكن لماذا يتعب؟ وهل الشعراء مختلفون عن الناس الآخرين؟ كما قال الشاعر البلوشي مبارك قاضي في معنى جميل، أيُّ نوعٍ من الإنسان هذا الشاعر الذي يكون ضيفًا في منزله؟ وكأنَّ الشاعر، حتى وهو بين جدرانه، لا يسكن المكان كاملًا، لأن جزءًا منه يسافر دائمًا خلف كلمة، أو ذكرى، أو وطن، أو حب، أو سؤال لا يجد له جوابًا.
ولكن متى يتعب الشاعر؟ هل يتعب عندما تنتهي كلماته؟ أم عندما تنتهي أبياته؟ أم عندما يشعر أنَّ اللغة التي حملته سنوات طويلة لم تعد قادرة على حمل ما في قلبه؟ ربما يكون أشد تعب للشاعر هو أن يكون لديه إحساس لا يجد له حرفًا، وحزن لا تسعه قصيدة، وسؤال أكبر من كل الإجابات. فالإنسان العادي، حين يحزن، قد يبكي، وحين يغضب، قد يصرخ، وحين يفرح، قد يضحك. أما الشاعر فيبحث وسط كل ذلك عن كلمة. وهنا تبدأ محنته الجميلة، أن يحوّل ما لا يُقال إلى كلام.
الشاعر لا يتعب من الكتابة وحدها، بل قد يتعب من عجز الكتابة. يتعب عندما يقف أمام الورقة، وتكون داخله مدن كاملة، لكنه لا يستطيع أن يكتب منها شارعًا واحدًا. ينظر إلى الحروف التي كانت يومًا أصدقاؤه، فيجدها صامتة. يسأل الكلمات أين أنتن؟ فلا تأتي. وربما تكون هذه اللحظة أقسى من تعب الجسد، لأنَّ الشاعر يشعر كأنَّ شيئًا منه قد غادره. فماذا يبقى للشاعر إذا خانه الشعر؟ وماذا يبقى للبحر إذا فقد موجه؟
وربما يتعب الشاعر لأنه يرى أكثر مما يريد أن يرى. يرى الفقير الذي يمشي بجانب قصر الغني، ويرى المظلوم يطرق باب العدالة ولا يُفتح له، ويرى الفساد يرتدي أحيانًا ثياب الاحترام، والكذب يتحدث بلغة الحقيقة، يُريد أن يواجه كل ذلك، لكنه لا يملك جيشًا ولا سلطة ولا مالًا، وإنما يملك قلمًا، وهنا يسأل نفسه، هل يستطيع بيت من الشعر أن يهزم ظلمًا؟ هل تستطيع قصيدة أن تصلح مجتمعًا؟ هل يمكن لكلمة أن توقظ ضميرًا نام طويلًا؟
ومن هنا يأتي ذلك التعب الذي يولد من العجز أمام عالم لا يتغير بالسرعة التي يحلم بها الشاعر، فهو يكتب عن السلام والحروب مستمرة، ويكتب عن العدالة والظلم باقٍ، ويكتب عن الحب والقلوب تفترق، ويكتب عن الوطن والإنسان قد يشعر بالغربة حتى داخل وطنه.
ومع ذلك يعود في المساء إلى أوراقه. لماذا؟ لأنه ربما يعرف في أعماقه أن مهمة الشعر ليست أن يصلح العالم كله، بل أن يمنع الإنسان من أن يفقد إحساسه بهذا العالم.
وقد يحمل الشاعر تعبًا لا يراه الناس، وهو تعب الحساسية تجاه الأشياء. فالكلمة التي تمر على غيره مرورًا عاديًا قد تبقى في قلب الشاعر أيامًا. نظرة عابرة، صوت أم، كرسي فارغ، بيت قديم، محطة قطار، رسالة لم تصل، طفل يضحك، رجل مسن ينتظر، أو شجرة وحيدة في شارع مزدحم، كلها أشياء صغيرة، لكنها في داخله تتحول إلى أسئلة كبيرة.
الشاعر يعيش الحياة مرتين، مرة عندما تحدث، ومرة عندما يعيد بناؤها بالكلمات. ولذلك قد يكون فرحه مضاعفًا، وكذلك حزنه.
لكن هل يتعب الشاعر عندما ينتهي إحساسه؟ أعتقد أن الشاعر الحقيقي لا تنتهي مشاعره، وإنما قد تتعب من كثرة ما حملت. فالقلب أيضًا له ذاكرة، والحروف لها عمر، والكلمات قد تشيخ إذا كررناها بلا روح. لذلك يحتاج الشاعر أحيانًا إلى الصمت. والصمت بالنسبة إليه ليس غياب الشعر، بل ربما يكون قصيدة لم تولد بعد. ففي الصمت تعود الكلمات إلى معناها، ويعود القلب إلى سماع نفسه بعيدًا عن ضجيج العالم.
وقد يتعب الشاعر من الناس أيضًا، حين يطلبون منه دائمًا أن يكون شاعرًا. يريدونه حزينًا كي يكتب الحزن، وعاشقًا كي يكتب الحب، وثائرًا كي يكتب الثورة. وينسون أنه إنسان يحتاج أحيانًا أن يجلس بلا استعارة، وأن يشرب قهوته دون أن يرى في فنجانها فلسفة الوجود. فالشاعر ليس آلة لإنتاج الجمال، إنه إنسان يخطئ، ويمل، ويضحك، ويصمت، وقد يعجز عن كتابة سطر واحد.
ومع ذلك، ثمة علاقة غريبة بين الشاعر والتعب. كأن التعب حبر آخر، وكأن الجرح نافذة إضافية يرى منها الحياة. وليس معنى ذلك أن الألم شرط للإبداع، ولا أن الشاعر يجب أن يكون تعيسًا حتى يكتب، بل إن الشاعر يمتلك قدرة عجيبة على تحويل التجربة، حتى المؤلمة منها، إلى معنى. يأخذ من التعب سؤالًا، ومن السؤال حرفًا، ومن الحرف كلمة، ومن الكلمات قصيدة.
وعندما يتعب الشاعر حقًا، ربما لا يرمي قلمه. يضعه قليلًا على الطاولة، وينظر من النافذة، ويصمت. ثم يسمع كلمة بعيدة، أو يرى وجهًا قديمًا في الذاكرة، أو يشعر أن العالم، رغم كل فساده وفوضاه، ما زال يستحق أن يُكتب عنه. فيمد يده من جديد نحو القلم.
** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
